محمد أبو زهرة

1297

زهرة التفاسير

بالإشارة بالبعيد ، وبتعريف الطرفين الذي يفيد انحصارهم في الفسق وانحصار الفسق فيهم ، وأكد أيضا بضمير الفصل الذي يفيد التخصيص . أَ فَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ هذه الجملة السامية فيها تصريح بوحدة الرسالة ، فإن ما يجئ به الرسل جميعا واحد لا يتغير ، وهو دين اللّه تعالى ؛ ومن خالفه فقد خالف دينه سبحانه ، ومن آمن ببعض الرسل ، وكفر ببعض آخر ، فهو يبغى غير دين اللّه ، ويطلب سواه ، ومعنى النص الكريم : أنهم إذا أعرضوا عن تصديق محمد طلبوا غير دينه سبحانه . والاستفهام هنا للتوبيخ ، واستنكار ما يفعلون ، وبيان أن مؤداه أنهم يطلبون غير دين اللّه سبحانه وتعالى ، وأنهم لا يمكن أن يكونوا مؤمنين بنبي قط ، إذا أنكروا رسالة نبي من الأنبياء ، وخصوصا محمدا صلى اللّه عليه وسلم الذي جاء بكتاب مصدقا لمن بين يديه من الكتب . وفي هذا الكلام إشارة إلى أن دين اللّه واحد لا يتجزأ ، فمن كفر ببعضه ، فقد كفر بكله ، وأن حقيقة هذا الدين تتجلى في كل ما جاء به الرسل لا في بعضه ، وأنه يتلاقى كله في مجموعه ، ولا يتعارض إلا ما يكون من جزئيات عملية ضئيلة ، فلا تختلف رسالات الرسل في قواعد كلية . وهنا مباحث لفظية . أولها : أن الفاء هنا للترتيب والتعقيب ، وهي مؤخرة عن تقديم ؛ لأن الاستفهام له الصدارة دائما ، والمعنى أنه ترتب على كفرهم بمحمد صلى اللّه عليه وسلم أنه وجه إليهم ذلك الاستفهام الإنكارى توبيخا لهم على ما فعلوا وما أنكروا ، وما ضللوا . وثانيها : إسناد الدين إلى اللّه تعالى ، ففيه إشارة إلى أن من يكفر ببعضه إنما يكفر باللّه ، لا بنبي من الأنبياء فقط . وثالثها : تقديم المفعول على الفعل ، أي تقديم كلمة « غير دين اللّه » على « يبغون » ففيه تنبيه إلى موضع الاستنكار وهو أنهم أرادوا غير دين اللّه تعالى ، فقدم المفعول لأهميته ، إذ هو موضع التنبيه والتوبيخ .