محمد أبو زهرة

1134

زهرة التفاسير

وبهذا يتبين أن هذه الأعيان ليست خسيسة في ذاتها ، ولا يقصد تخسيسها ، وإن كانت هي دون نعيم الآخرة ومتعها . وقوله تعالى : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ فيه إشارة إلى أن الناس يحبون هذه الشهوات ويستحسنون هذه المحبة ؛ وذلك لأن الإنسان قد يحب شيئا ولكنه في محبته له غير راض عن نفسه ، كأولئك الذين يميلون إلى بعض الآفات الاجتماعية ، كالخمر ، والميسر ؛ فإنهم مع ميلهم إليها يستنكرون حالهم ، ولا يحمدون ما يفعلون ، إلا إذا كانوا قد طمس اللّه على بصيرتهم ، فعموا وضلوا ، وزيّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا ، ولكن الناس جميعا مع محبتهم لهذه الأمور يستحسنون هذه المحبة ، ويرضون عن أنفسهم في ميلهم إليها ؛ وإن ذلك الاستحسان من عامة الناس يدل على أن محبة هذه الأمور من فطرة الإنسان ومن طبيعته ؛ وإن هذا الميل لا يدل على خسة في الطبع ، ولكنه يدل على أنها في الفطرة . وإن محبة هذه الأشياء ، وهي رمز للطبيعة الإنسانية ليست بدرجة واحدة ، بل تختلف بمقدار قوة نزوع النفس إليها ، وتختلف بمقدار ما تشبع به الحاجات والغرائز الإنسانية . وقد يقول قائل : وكيف يكون حب الذهب والفضة فطريا ، مع أنه ليس من الفطرة ؟ والجواب عن ذلك : أن الذهب والفضة يشبعان الحاجات الإنسانية ، فهما من الوسائل للوصول إلى النساء وغيرهن ، وهما في خدمة تلك الفطرة ، وأحبهما الناس لأنهما يوصلان دائما إليها ، ثم صار حبهما لذاتهما ، وأشبه أن يكون من الفطرة . ولنذكر هذه الأمور الستة ، وهي مرتبة مراتب بترتيب القرآن الكريم : المرتبة الأولى : النساء ، وحبهن فطرى في الطبيعة الإنسانية مستكن فيها ، لا يختلف فيه الناس إلا من إيفت « 1 » مشاعره وفسدت طباعه ، وهن زهرة هذا

--> ( 1 ) أي أصابتها الآفة .