محمد أبو زهرة

1295

زهرة التفاسير

الرسول الذي يجئ مصدقا لما معهم ، لآمنوا به ، ولا تبعوه ونصروه وآزروه ؛ لأن ذلك ميثاق اللّه الذي ربط النبوات بعضها ببعض ، فهي متلاقية عند غاية واحدة ، وإذا كان النبيون لا يفرض فيهم إلا ذلك فاتباعهم يجب عليهم أن يفعلوه إن كانوا متبعين لهم . بعد أن صور اللّه سبحانه وتعالى ذلك العهد الموثق بمقتضى الرسالة الإلهية قال : قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي في الجملة السابقة بيّن سبحانه عهد اللّه على النبيين ، وفي هذه الجملة يوثقه ويؤكده بأخذ إقرار منهم بهذا الميثاق ، وبأخذ عهد آخر عليهم ، وهو أن يتولوا هم أخذ العهد على غيرهم بأن يقوموا بعهد اللّه تعالى الذي عاهدهم عليه ؛ أي أنه سبحانه يأمرهم بأن يأخذوا ذلك العهد على أتباعهم ؛ وهذا معنى وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي أي أخذتم من أتباعكم على ذلك الميثاق - أن ينفذوه وأن يتبعوه ، وأن يقوموا بحقه عليهم ، فثمة إذن عهدان : عهد اللّه على النبيين ، وعهد النبيين على أتباعهم ، وهذا هو الإصر الذي أخذوه عليهم . فالإصر هنا هو العهد الموثق الشديد ، وقد قال الراغب في أصل اشتقاق « أصر » : « والإصر عقد الشئ وحبسه بقهره يقال أصرته فهو مأصور » . قال تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ . . . ( 157 ) [ الأعراف ] أي الأمور التي تثبطهم ، وتقيدهم عن الخيرات ، وعن الوصول إلى الثوابات . . و « الإصر » العهد المؤكد الذي يثبط ناقضه عن الثواب ، وعن الخيرات ، قال تعالى : أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي . وإذا كان أتباع النبيين قد أخذ عليهم العهد بأن يؤمنوا بالرسول ويصدقوه وينصروه ، فإنه في عنق اليهود والنصارى أن يؤمنوا بمحمد وينصروه ويؤيدوه ؛ لأن ذلك جزء من الرسالة التي أتوا بها . ولقد زكى سبحانه العهد الذي أخذه النبيون على أتباعهم بقوله تعالى : قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ .