محمد أبو زهرة
1294
زهرة التفاسير
هذا هو معنى النص الكريم بالإجمال ، بقي أن ننظر في تخريج هذه المعاني السامية من الألفاظ المقدسة ، فنقول : إن في الآيتين قراءتين « 1 » ؛ إحداهما : القراءة بفتح « اللام » وتكون اللام في هذه الحال هي اللام الموطئة للقسم ، التي تشعر بأن في الكلام قسما تضمنه سابقها ؛ وأن ما بعدها يتضمن الجواب ؛ وتكون ( ما ) شرطية ، ويكون معنى الكلام : مهما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن ؛ أي أنه ميثاق اللّه وعهده إن أتاكم علم الكتاب والحكمة ، وهي الشريعة الحاكمة ، وجاء رسول أن تؤمنوا فالعهد الأساس بينكم معشر الرسل ، وبين من أرسلكم ، أنه إن جاء كتاب الرسالة ، وشريعتها التي هي حكمتها الحاكمة هو أن تؤمنوا بكل رسول يجئ بعدكم مصدقا لما معكم كإيمانكم بكتابكم : هذا تخريج معاني الآية على قراءة فتح « اللام » . وثانيتهما القراءة بكسر ( اللام ) وتكون ( ما ) بمعنى الذي ، فهو اسم موصول ، وقوله تعالى : ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ عطف على الصلة ، ويكون المعنى : أخذ اللّه سبحانه وتعالى الميثاق على النبيين بسبب الكتاب الذي نزل ، والحكمة التي جاءوا بها ، وتصديق النبي الذي جاء من بعدهم - أخذ عليهم عهدا بأن يؤمنوا به . وقوله تعالى : لَتُؤْمِنُنَّ جواب القسم الذي تضمنه معنى الميثاق ؛ لأن الميثاق المؤكد الموثق هو في حكم القسم المؤكد الموثق ، وقوله تعالى : وَلَتَنْصُرُنَّهُ عطف على لتؤمنن أي أن مقتضى العهد والميثاق على النبيين أن يؤمنوا بما جاء به الرسول الذي صدق ما معهم ؛ وأن ينصروه إذا اختلف مع المشركين . ولكن قد يسأل سائل : إنهم قد مضوا ، فكيف تتصور منهم النصرة ؟ . إن تصور الإيمان منهم ممكن باعتبار أن اللّه تعالى مخبرهم بمبعثه ، ولكن النصرة غير متصورة ، والجواب عن ذلك : أن الكلام بالنسبة للأنبياء فرضى ، وبالنسبة لأتباعهم واقعي ؛ وكأن المراد أن هؤلاء الأنبياء لو كانوا أحياء في عهد
--> ( 1 ) قرأها ( لما ) بكسر اللام حمزة ، وقرأ الباقون لَما بفتح اللام . غاية الاختصار - ج 2 / 451 . .