محمد أبو زهرة

1291

زهرة التفاسير

ثانيهما : استيعاب علم الكتاب وتعليمه من البعض ليتمكن الدارسون من أن يعرفوا حقيقة كتاب اللّه ، والاهتداء بهديه . وقدّم تعليم علم الكتاب على دراسته لأمرين : أولهما : الإشارة إلى جرم أهل الكتاب الذين اتجهوا إلى تعليم الناس أهواءهم بدل أن يعلموهم كتاب اللّه . وثانيهما : أن بيان الدراسة من غير تعليم وتدريس خبط عشواء . وسير في ظلماء ؛ كما يحاول ملاحدة اليوم الذين يريدون أن يفهموا القرآن من غير أن يعلموا شيئا حتى علم العربية : وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْباباً في النص القرآني « 1 » قراءتان إحداهما بضم الراء ، ويكون الكلام بها مستأنفا ، ومتمما بيان ما لا ينبغي لرسل اللّه تعالى . والثانية بفتح الراء ؛ بالعطف على أن يؤتيه مع ملاحظة المعطوف الأول عليها ، والمعنى : أنه لا ينبغي لبشر أن يؤتيه اللّه الكتاب مع قوله كونوا عبادا لي من دون اللّه ، ولا ينبغي له أيضا أن يأمرهم بأن يتخذوا الملائكة والنبيين أربابا بأن يعتقدوا أن الملائكة والنبيين يسيّرون الكون بغير إرادة اللّه ، وأنهم يعبدون من دون اللّه أو مع اللّه . وقد وقع في عبادة الملائكة - الصابئة الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان ، وتبعهم بعض المشركين من العرب ، والذين عبدوا بعض النبيين هم النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد ، وبعض اليهود فقد اتخذت طائفة منهم عزيرا إلها وزعموه ابن اللّه ، تعالى اللّه عما يقولون علوا كبيرا . أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ هذا استفهام إنكاري بمعنى النفي أي : أن الرسل لا يمكن أن يأمروا بالكفر باللّه ، وقد أوتوا علم الكتاب وفضل السفارة ، وتنفيذ شريعة اللّه تعالى ، ذلك لأنهم يكونون مضللين ولا يكونون هادين ، وقوله : بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ فيه إشارة إلى أن الناس بمقتضى فطرهم يسلمون ويخلصون وجوههم للّه سبحانه وتعالى ، فهذا شأن من شؤونهم ، وطبيعة في فطرهم ، حتى لقد قال بعض العلماء : إن معرفة اللّه تكون بالعقل ؛ وأوجب

--> ( 1 ) غاية الاختصار ص 451 .