محمد أبو زهرة
1290
زهرة التفاسير
جاء بها تتجافى عن هذا الادعاء ، والأمانة التي تحملها برسالته عن اللّه تعالى تمنعه من أن ينطق بهذا البهتان الصريح ؛ فإنه ليس في كتابه ولا شريعته ، ولا يتفق مع معنى رسالته ، وإذا كان من المستحيل أن يدعى تلك الدعوة فإن المعقول أن تكون دعوته متفقة مع هذه الأمور ، ولذا قال سبحانه في دعوته : وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ أي : ولكن يقول أولئك الذين أوتوا علم الكتاب ، وعلم الشريعة ، وفضل النبوة والسفارة الإلهية للناس : كُونُوا رَبَّانِيِّينَ والربانيون ، نسبة إلى الرب سبحانه وتعالى وقويت النسبة بزيادة الألف والنون ، ومعنى هذه النسبة إلى اللّه تعالى يتضمن أنوارا يتخلق بها المؤمن . أولها : ألا يعبد إلا اللّه وحده ، فيكون بعقله وقلبه وأحاسيسه خالصا للّه سبحانه وتعالى ولا يشرك فيها أحدا سواه . وثانيها : ألا يعرف حقيقة شرع إلا عن اللّه ، فلا يوسط في تعرفها عبادا لهم أهواء وشهوات ، يحرفون الكلم عن مواضعه إلا أن يكونوا ذوى فهم في كتاب اللّه تعالى قد حرم هو منه ، فيستعين بهم على فهم كتابه سبحانه لا أن يأخذ أقوالهم على أنها دين اللّه . ثالثها : ألا ينفذ من الأحكام إلا أحكام الرب سبحانه وتعالى . رابعها : أن تكون كل أعماله خالصة لوجه اللّه فلا يمارى ولا ينافق . خامسها : أن يخضع للحق لذات الحق ، وقد بين سبحانه - حكاية عما ينبغي أن يقوله الرسل وقد قالوه - كيف تتربى الربانية في نفس المؤمن ، فذكر أنها علم الكتاب المنزل والعكوف على دراسته ، فقال : بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ . أي : أن الذي يربى الربانية هو الاستمرار والدءوب على أمرين اثنين : أولهما : دراسة الكتاب المنزل الذي بينه الرسول ، فهو يدرسه مع شارحه ، ويقطع كل الحجزات التي تحول بينه وبين هذه الدراسة ، فلا يأخذ دين اللّه عن غير كتاب اللّه الذي بينه رسول اللّه تعالى .