محمد أبو زهرة
1289
زهرة التفاسير
الفرية : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ . لقد ادّعى النصارى أن المسيح إله وعبدوه ، وادّعوا أن ذلك من رسالته ، واتخذ اليهود والنصارى الأحبار والرهبان أربابا من دون اللّه تعالى بمعنى أنهم لم يتصلوا في معرفة الدين بنصوص كتابهم من غير حجاب ، بل اتصلوا به عن طريق تفسير الأحبار والرهبان ، وأولئك حرفوا وبدلوا ، وكانوا ينشرون كلامهم على أنه من دين اللّه ، وما هو منه . وقوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ استعمال قرآني يفيد نفى الشأن وعدم اتفاق هذا المعنى مع الحقيقة المفروضة في الرسول ، وقد قالوا إن كلمة « ما كانَ » في هذا المقام وما يشبهه في معنى ما ينبغي . وذلك مثل قوله تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً . . . ( 92 ) [ النساء ] ، وقوله تعالى : ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ . . . ( 35 ) [ مريم ] . وقوله تعالى : ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ . . . ( 16 ) [ النور ] . والنفي في النص القرآني منصبّ على اجتماع الرسالة مع القول الذي يكذبون به على أنبياء اللّه ، ومعنى النسق هذا ، لا ينبغي لبشر أن يخاطبه اللّه تعالى ويعطيه الحكم والنبوة أن يقول للناس كونوا عبادا لي من دون اللّه فليس النفي بالبداهة منصبا على إيتاء اللّه الكتاب والحكم والنبوة ، بل هو منصب على المعطوف ، وهو أن يكون منه - مع ما آتاه اللّه - ذلك الادعاء فيدعو الناس إلى عبادته . و « الكتاب » المراد به سجل الشريعة التي جاءت ، و « الحكم » قيل المراد به الحكمة ، ومن ذلك قول أكثم بن صيفي : « الصمت حكم ، وقليل فاعله ) ، وأنا أرجح أن المراد هو الشريعة المنزلة التي يحكم بها بين الناس ، و « النبوة » هي الرسالة الإلهية التي حملها النبي من أنبياء اللّه تعالى ، وتلك النعم التي أنعم اللّه بها على هذا النبي لا تتفق مع ما ينسب إليه ، فالكتاب الذي آتاه حجة عليه والشريعة التي