محمد أبو زهرة
1284
زهرة التفاسير
ويدخل في العهود ما أودعه اللّه سبحانه قلب كل إنسان من إدراك للحق ، وفهم له وإدراك لمعنى الدليل ، فإذا لم يذعن له ويعلنه لا يكون موفيا للعهد . الوصف الثاني المستوجب لرضا اللّه ومحبته - هو التقوى بأن يشعر بحق الغير عليه ويؤمن به ، ويجعل بينه وبين الاعتداء أيا كان نوعه وقاية . هذان هما الوصفان اللذان يستوجبان محبة اللّه تعالى ، وقد خلا اليهود منهما ، فليسوا من محبة اللّه في شئ ، وإن هذين الوصفين متداخلان فالوفاء بالعهد داخل في التقوى ، ولذلك قال سبحانه في جزاء الوصفين معا : فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ أي من أوفى بعهده واتقى فقد استحق محبة اللّه ، لأن محبة اللّه تعالى لا يعطيها إلا لأهل التقوى الذين يجعلون بينهم وبين غضب اللّه تعالى وقاية ، فيوفون بالعهد ويعطون كل ذي حق حقه ، ويخشون مقت اللّه وعذابه ، وأن الذي يسهل عدم الوفاء بالعهد أعراض الدنيا ، وهي ثمن لا يساوى شيئا في جانب عدم رضا اللّه تعالى ؛ ولذا قال سبحانه : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ : أي إن الذين يتركون عهد اللّه تعالى في مقابل عرض من أعراض الدنيا يستبدلون ثمنا قليلا بأمر جليل إذ إن من يترك عهد اللّه الذي عاهد الناس عليه ويمين اللّه التي وثق بها ذلك العهد يفقد ثقة الناس ، ومن فقد ثقة الناس لا يأمنونه ، وتلك خسارة كبيرة ، وإذا فقد المجتمع الثقة بين آحاده صار كل واحد ينظر إلى الآخر كما ينظر الوحش إلى فريسته ، فيذهب الاطمئنان ، فتكون الجماعة كقطيع من الذئاب . وعهد اللّه تعالى يشتمل معنيين : أحدهما ما التزمه بمقتضى فطرته والتكاليف الدينية والمدارك العقلية من أداء الحقوق والواجبات ومراعاة الأمانات ، والثاني ما يعطيه هو من عهود يذكر فيها اسم اللّه تعالى ، ويوثقه بيمين اللّه تعالى أو لا يوثقه . وإن ترك هذه العهود له أثر في الدنيا وفي الآخرة ، أما في الدنيا فالنبذ والطرد . وأما أثره في الآخرة ، فذكر سبحانه بعضه بقوله : أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ