محمد أبو زهرة
1283
زهرة التفاسير
« كذب أعداء اللّه ، ما من شئ في الجاهلية ، إلا وهو تحت قدمي هاتين إلا الأمانة ، فإنها مؤداة إلى البر والفاجر » « 1 » . ويروى أن رجلا سأل ابن عباس ، فقال : « إنا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة ، والشاة ، فقال ابن عباس : فتقولون ما ذا ؟ قال نقول : ليس علينا بذلك بأس . فقال حبر هذه الأمة : هذا كما قال أهل الكتاب : لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ . إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم » . وإن الحق الثابت المقرر أن الفضائل الدينية هي حق على المؤمن لكل إنسان ، ويأثم إن لم يؤدها لكل إنسان ، ولذا قال تعالى : بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . هذا تأكيد لبيان كذبهم على اللّه تعالى ، وبلى هنا معناها إثبات ما نفوه ؛ لأنها تجىء في القول لإثبات المنفى ؛ لقد نفوا أنه ليس عليهم في الأمّيين سبيل ، فقال سبحانه بل عليكم فيهم سبيل ، وأنتم معذبون بما تجرمون في شأنهم ، ومثابون إن أوفيتم لهم بعهدهم وآمنتم ، وقد علل سبحانه ذلك الحكم العادل بقضية دينية عامة ثابتة ، وهي قوله سبحانه : بَلى مَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ وَاتَّقى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ . وإن معنى هذا النص السامي أن الذي ينال محبة اللّه تعالى ورضاه سبحانه ، لا بد أن يتحقق فيه وصفان : أولهما الوفاء بالعهد ، فكل ما يلتزمه من عهود ، سواء أكان موضوعها أمرا ماديا كأداء الأمانات أم كان الموضوع أمرا معنويا كالقيام بحق من الحقوق - الوفاء به يستوجب رضا اللّه سبحانه ، وكل غدر يكون فيه إبعاد عن رضوان اللّه سبحانه ومحبته .
--> ( 1 ) رواه ابن أبي حاتم ، ورواه ابن جرير الطبري في تفسيره وقال : حدثني ابن حميد ، وراجع الدر المنثور للسيوطي ج 2 ، ص 51 .