محمد أبو زهرة

1260

زهرة التفاسير

وإذا كان قد دعاهم إلى هذا الإنصاف وإلى ترك التعصب جانبا ، وعدم الخضوع لأسبابه ، فإن حال الذين يخاطبهم إحدى حالين : إما أن يخلصوا في طلب الحق ، ويجيبوا داعيه ، وتلك خير الخصلتين ، وإما أن لا يجيبوا داعيه وتلك هي السوأى ، فإن كانت الأولى فتلك هداية اللّه ، وإن كانت الثانية فإن اللّه تعالى قد كتب عليهم الشقوة ، ولا سبيل لأن يدخل النور قلوبهم ، فإن من طلب منه الإنصاف فأعرض عنه فلا سبيل إلى هدايته ، والجدل معه لا يجدى ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ : أي فإن أعرضوا ونأوا بجانبهم عن إجابة داعى الإنصاف ، والدعوة بالتي هي أحسن فلا تجادلوهم ولا تحاجوهم ، فإن الجدل مع من لم يجب داعى العدالة لا يزيده إلا لجاجة وعنادا ؛ وإن الحقائق تتبعثر على ألسنة المتجادلين ، ويتبدد رونقها ، ويذهب بهاؤها ، وتفقد النفس عند الجدل الإيمان بالحقائق والإذعان لها ، بل أمرهم اللّه تعالى بقوله : فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ أي يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم ومن معه من المؤمنين لأولئك الذين مردوا على الجدال وبعثرة الحقائق في حومة الجدل : اشهدوا بأنا مسلمون ، مذعنون لطلب الحق فلا تحاولوا أن تغيرونا عما اعتقدنا وقد أنصفناكم بالدعوة إلى كلمة الحق والإنصاف ، فلم تجيبوا ، والآن ننصفكم مرة أخرى بأن نشهدكم بأننا مخلصون في طلب الحق مذعنون له ؛ ومن جانبنا ؛ فإن أذعنتم مثلنا فنعمّا هي ، وإن لم تذعنوا فلنا ديننا ، ولكم دينكم ، واللّه يحكم بيننا وهو خير الحاكمين . وإن إعلان الإذعان للحق من جانب المؤمنين فيه دعوة للحق بإعلان المثل الواضح البين السامي ، وهو يؤثر في الدعوة إلى الحق أكثر من الجدل ، إذ يكون فيه ذكرى لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد . وإن الجدل يثير غبارا يجعل الوصول إلى الحق عسيرا وسط عجاجة المتجادلين . وإن هذه الآية الكريمة صورة سامية من الدعوة إلى الحق . ولذا كان يتخذها النبي صلى اللّه عليه وسلم منهاجه في دعوته ، فقد كانت في الصيغة التي اختارها في دعوة الملوك والحكام الكبراء إلى الإسلام ، وهذا نص كتابه عليه الصلاة والسلام إلى هرقل ملك الروم :