محمد أبو زهرة

1261

زهرة التفاسير

« من محمد عبد اللّه ورسوله ، إلى هرقل عظيم الروم ؛ سلام على من اتبع الهدى . أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام ، أسلم تسلم ، وأسلم يؤتك اللّه أجرك مرتين ، وإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين « 1 » ، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئا ، ولا يتخذ بعضنا بعضا أرباب من دون اللّه ، فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون » « 2 » . ولقد كان النصارى يحاجون بولادة عيسى ، ويتخذون منها دليل ألوهيته ، واليهود يتحاجون ويجادلون بما عندهم من توراة ، أو بالأحرى بما بقي عندهم منها ؛ ولما كان كل من الفريقين يدعى أن إبراهيم أبا الأنبياء كان على مثل دينهم ، وذلك ليبينوا أن ديانتهم هي ديانة السابقين ، كما هي ديانة المتأخرين ؛ بين اللّه سبحانه أن مثل هذا الاحتجاج منهم باطل في معناه ، كما هو باطل في شكله ومبناه ؛ فقال سبحانه : يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أي أنه لا يسوغ لكم المحاجة في شأن إبراهيم من حيث إنه كان يهوديا أو كان نصرانيا ومن حيث إنكم أتبع الناس له أو أبعد الناس عنه ، ومن حيث ما جاء به وحقيقة دعوته ؛ فإن التوراة والإنجيل ما جاءا إلا من بعده ، فكيف يكون يهوديا يدين بالتوراة قبل أن تجىء التوراة ، وكيف يكون نصرانيا يدين بالإنجيل قبل أن ينزل الإنجيل ؟ إن هذه محاجة واضحة البطلان . والمحاجة معناها مبادلة الحجة ، فما هذه المحاجة ؟ أكانت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم أم كانت فيما بينهم ؟ ظواهر النصوص تفيد بمقتضى السياق أنها كانت مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فهم يقيمون الحجة على سلامة دينهم بأنه دين إبراهيم الذي كان موضع إجلال الجميع ، والذي بنى البيت الحرام الذي هو أول بيت وضع للناس ، والذي كان موضع تقديس العرب أجمعين .

--> ( 1 ) جاء في الهامش : الأريسيون هم : العمال والفلاحون ، أو الدهماء بشكل عام . ( 2 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : بدء الوحي ( 6 ) ، ومسلم : الجهاد والسير - كتاب النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى هرقل ( 3322 ) ، عن أبي سفيان ( صخر ) بن حرب رضي الله عنه .