محمد أبو زهرة

1259

زهرة التفاسير

وهناك معنى آخر للربوبية يدخل في مضمونها ، وهو أن يكون الشرع كله للّه تعالى ، فلا يتكلم عن اللّه أحد إلا نبي يوحى إليه ، والجميع بعد ذلك أمام الشرع سواء ، إلا أن يكون فهم متميز متفهم متعرف ، ومن ادعى أنه يتكلم عن اللّه باسم اللّه من غير وحى يعتمد عليه ، فقد زعمه ربا يؤخذ عنه ؛ ولذلك عبر القرآن عن علماء النصارى واليهود الذين ادعوا أن قولهم دين يتبع ، وتقاليد تؤثر ، بأنهم قد اتخذوهم أربابا من دون اللّه ، فقال تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ . . . ( 31 ) [ التوبة ] ذلك بأنهم جعلوا لهم الحق في أن يشرعوا باسم اللّه ما لم يشرعه اللّه ، وأن يخالفوا ما أمر اللّه سبحانه وتعالى ، فهم جعلوهم في مقام الرب جل جلاله ، ولقد روى عندما نزل قوله تعالى : اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ قال عدى بن حاتم : ما كنا نعبدهم يا رسول اللّه ! فقال الرسول عليه السلام : « أليسوا كانوا يحلون لكم ويحرمون فتأخذوا بقولهم ؟ » قال : بلى . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « هو ذاك » « 1 » . وعن بعض التابعين أنه قال : لا أبالي أطعت مخلوقا في معصية الخالق أو صليت لغير القبلة ! ! فكانت التسوية كاملة بين الأخذ في دين اللّه بغير ما أنزل اللّه ، والخروج عن الإسلام الذي رمز إليه ذلك التابعي الجليل ، وهو ألا يكون من أهل القبلة . عرض النبي بأمر اللّه تعالى ذلك الأمر الذي يكون فيه نصفة له « 2 » ولهم ، وكانت الدعوة إلى أخذ دين اللّه من ينبوعه الصافي فيهما فائدتان : إحداهما : ألا يتزيدوا على ما أمر اللّه تعالى وما نهى عنه ؛ والثانية : أن أولئك المجادلين هم الذين يبثون في نفوس أتباعهم التعصب الأعمى ، محافظة على سلطانهم أن يزول ؛ فكانوا في زعامتهم بمنزلة زعماء قريش وأشباههم من أنهم خشوا على سلطانهم من اتباع النبي الكريم صلى اللّه عليه وسلم .

--> ( 1 ) رواه الترمذي : تفسير القرآن - ومن سورة التوبة ( 3020 ) . ( 2 ) النصفة : الإنصاف ، وهي المعاملة بالعدل .