محمد أبو زهرة

1255

زهرة التفاسير

وقوله تعالى : وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ معناه أن اللّه سبحانه وتعالى المنفرد بالألوهية وحده هو العزيز الغالب الذي لا يقهر ، الحكيم الذي يدبر كل شئ بكمال سلطانه وسيطرته على هذا الوجود الذي لا ينازعه السلطان فيه غيره كائنا من كان . وإن الجملة السامية فيها تأكيد لمعنى العزة والسلطان الكامل بالتعبير بأن ، وباللام ، وبضمير الفصل ، وبتعريف الطرفين . وفي هذا الكلام رد على أولئك الذين يزعمون أن المسيح إله ، ويعتقدون مع ذلك أنه غلب على أمره وصلب ولم يستطع لنفسه حولا ولا طولا ، ولا حيلة يخرج بها من ذلك المأزق ، ولكن هكذا يعتقدون ، وبه يؤمنون . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ أي فإن أعرضوا ولم يبتهلوا لتكون لعنة اللّه على الكاذبين ، وكلمة الحق هي الغالبة المسيطرة ، فاعلم أنهم ليسوا طلاب حق وهداية ولكنهم دعاة باطل ، وفي دعاوى الباطل يكون الفساد في الأرض ؛ لأنه لا فساد في الأرض أكثر من فساد الاعتقاد ، فإن فساد الاعتقاد ، يدفع إلى فساد العمل . وقوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ ليس هو جواب الشرط ولكنه ينبئ عن جواب الشرط المحذوف ، إذ تقدير القول : فإن تولوا وأعرضوا فأنذرهم بسوء المغبة وسوء العقبى ، فإن اللّه عليم بالمفسدين . وهذه الجملة السامية تتضمن في ذاتها تهديدا شديدا ، إذ إن اللّه تعالى إذا علم بالمفسد لا يسكت عنه ، ولا يتركه يعيث في الأرض فسادا ، بل إنه يأخذه أخذ عزيز مقتدر ، ويوم القيامة يأخذه بالنواصي والأقدام ، وكذلك الشأن في كل من يعرضون عن الحق إذا دعوا إليه . اللهم مكن الحق من قلوبنا ، واجعلنا ممن يؤمنون به ، ويذعنون له ، وأعز الإسلام ، واجعل أهله يؤمنون به ، ويفتدونه ، إنك أنت العزيز الحكيم .