محمد أبو زهرة
1251
زهرة التفاسير
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي هذا الذي أخبرك اللّه به سبحانه من أن عيسى خلق من غير أب ، وكونه كذلك ، وكون خلق آدم من طين ، وكون هذا التكوين العام هو بإرادة مختارة ، لا قيد يقيدها ، وأنها خالقة الأسباب ، هذا هو الحق ، والحق هو الثابت اليقيني الذي لا مجال للشك فيه . وقد أكد سبحانه وتعالى كونه الحق الذي لا مجال للريب فيه بثلاثة تأكيدات : أولها : بتعريف كلمة الحق بال ، فإن مؤدى ذلك أن خلق اللّه بإرادته المختارة على النحو الذي بينه هو الحق وحده ، ولا حق سواه . ثانيها : أنه بين أن إثبات ذلك الحق هو من ربك الذي ذرأك وحفظك ، وفي ذلك ما يدل على صدق الإثبات صدقا لا ريب فيه . ثالثها : أنه نهى عن الامتراء والشك في ذلك الحق ، فقال سبحانه : فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي أنه لا مجال فيه للشك ، أو للجدال والمراء المثير للشك . والخطاب موجه إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم مع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لا شك عنده ، وكان كذلك لإثارة الاهتمام والاتجاه إليه ، وبيان أنه لا موضع فيه للجدل والامتراء ، فيكون الاطمئنان إلى الحق المبين ، وإذا كان هذا دعوة للنبي إلى الابتعاد عن الامتراء فغيره أولى بأن توجه إليه الدعوة القاطعة لكل ريب . والامتراء : هو الشك الذي يدفع إلى المراء والمجادلة المبنية على الأوهام لا على الحقائق ولذلك قال الراغب الأصفهاني في معنى الامتراء ما نصه : « المرية التردد في الأمر ، وهو أخص من الشك ، قال تعالى : وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ . . . ( 55 ) [ الحج ] فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ . . . ( 109 ) [ هود ] فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ . . . ( 23 ) [ السجدة ] أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ . . . ( 54 ) [ فصلت ] والامتراء والمماراة : المحاجة فيما فيه تردد ، وأصله من مريت الناقة إذا مسحت ضرعها للحلب » . فمؤدى كلمة الامتراء هو المحاجة فيما فيه ريب ، فكأن اللّه سبحانه وتعالى يقول لنبيه الكريم أو لقارئ القرآن العظيم : فلا تكن من الذين يجادلون في هذا