محمد أبو زهرة
1250
زهرة التفاسير
أحد من الناس ادعى ألوهية آدم لهذا السبب فيبطل حينئذ ذلك الزعم الباطل لانهيار الأساس الذي قام عليه . ثانيهما : أن اللّه سبحانه وتعالى إذا كان قادرا على خلق إنسان حىّ من غير أب ولا أم ، ومن مادة ليس من شأنها أن يتكون منها إنسان حي ، فأولى أن يكون قادرا على خلق إنسان من غير أب ، ومن أم هي إنسان يلد ويحيا ويموت ، وهي وعاء لحياة الإنسان وهو جنين ؛ وإذا فلا غرابة في خلق عيسى من غير أب ، وما كان يصح أن يكون هذا دافعا لهذا الضلال المبين . والنص الكريم فوق ما تضمنه من حجة دامغة تقطع دعوى المبطلين ، هو بيان لقدرة اللّه تعالى العلى القدير في خلق الأحياء وخلق الأشياء ، من حيث إنها تخلق بإرادته المختارة ، وأنه بهذه الإرادة يخلق الحىّ من غير الحىّ ، ويخلق الحىّ على غير النظام الجاري في مجرى العادات ، وما نسميه طبائع الأشياء في التكوين والتوالد ، ولا تصدر عنه الأشياء كما يصدر المعلول عن علته ، وإلا ما كان من الطين إنسان حي ناطق هو أبو الخليقة آدم عليه السلام . ولذا بين سبحانه بعد ذلك عظم إرادة اللّه تعالى في خلق آدم : ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ هذا تصوير لخلق اللّه تعالى آدم من تراب ، أراد سبحانه وتعالى أن يكون فصوّره من طين ، ثم قال له لما صوره آمرا له أمرا تكوينيا « كن » فكان . وهذه الجملة السامية تصور خلق اللّه سبحانه وتعالى للأشياء الأحياء وغير الأحياء ، فليست إلا أن تتجه الإرادة إلى تكوينها ، فيكون الأمر التكويني ، وتكون الاستجابة التكوينية ، ويكون الأمر كما أراد سبحانه . وقال سبحانه وتعالى بالنسبة لخلق آدم عليه السلام : كُنْ فَيَكُونُ ولم يقل كن فكان ، وهو المناسب للماضى ، وذلك لأن التعبير بالمضارع دائما فيه تصوير وإحضار للصورة الواقعة كما وقعت ، ومن جهة أخرى فصيغة المضارع في هذا المقام تنبئ عما كان ، وتومئ إلى ما يكون بالنسبة لخلق اللّه تعالى المستمر في المستقبل كما كان في الماضي وقد بين سبحانه أن هذا هو الحق الثابت المستمر ، فقال :