محمد أبو زهرة
1240
زهرة التفاسير
وقامت بيناته ، ثم أخذوا يحولون بينه وبين هدايته ، ودعوة الحق التي يدعو بها ، ولما رأوا أن نور الحق يزداد انتشارا ، قرروا أنه لا بد أن يقطعوا حركته نهائيا بتدبير الشر لشخصه . ويستفاد من الإشارات القرآنية أنهم حاولوا قتله ، ولا عجب فقد قتلوا يحيى بن زكريا عليه السلام الذي عاصره . ولا يستغرب على اليهود عمل فاجر ، فهم في ماضيهم كما نراهم اليوم في حاضرهم ، ولقد قال تعالى بعد أن بلغت دعوة الحق أقصاها وأعلاها وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ : أي أن هؤلاء الذين أحس عيسى عليه السلام منهم الكفر ، ورآه عيانا منهم بعد أن كوّن فيهم مدرسة الهداية بالحواريين ، وأخذوا يدبرون التدبير للقضاء عليه أو على دعوته . والمكر ، كما يظهر من عبارات القرآن : هو التدبير الذي يجتهد صاحبه في إخفائه عمن يمكر به ؛ ولذا نسب المكر إلى اللّه تعالى ، ولا يمكن أن يكون عمل اللّه تعالى إلا خيرا ، ولذا ذكر المكر موصوفا بالسوء في قوله تعالى : وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ . . . ( 43 ) [ فاطر ] فدل هذا على أن مطلق المكر لا يعد سوءا ، مكر الفجار لإيذاء الأبرار لا يمكن أن يكون خيرا ، ومكر اللّه تعالى لإحباط تدبير الأشرار لا يتصور إلا أن يكون خيرا . وقد قصر بعض المفسرين المكر على التدبير السيئ ، وسمى تدبير اللّه لإحباط تدبيرهم مكرا من قبيل المشاكلة ورد الفعل بمثله وإن لم يكن له وصفه ، كتسمية رد الاعتداء اعتداء في مثل قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ . . . ( 194 ) [ البقرة ] وما هو إلا عمل عدل ولكن سمى به للتماثل بين الفعلين في الواقع ليتحقق الدفاع العادل . دبر أولئك قتل عيسى عليه السلام كما قتلوا يحيى ، فكانوا - لاستيلاء الفساد على قلوبهم - قد أصابهم شره لدماء الأطهار دبروا ذلك ، واللّه يدبر حمايته ، وقد تم ما أراد اللّه تعالى ؛ ولذا قال تعالى : وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ فسرها بعض المفسرين بأن اللّه سبحانه لا يصدر عنه إلا الخير ، فمكره خير مكر لأنه لا يتصور فيه شر قط . وفسر الزمخشري قوله :