محمد أبو زهرة
1239
زهرة التفاسير
ضراعتهم وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ وهو عيسى عليه السلام ، واتباع الرسول يكون بالعمل بهديه ، والأخذ بسنته . وإذا كانوا قد ضرعوا إلى ربهم بهذا الإيمان تلك الضراعة ، فقد اتجهوا مع ذلك إلى دعائه راجين بإجابته أن يقوى اللّه سبحانه وتعالى إيمانهم ، وأن ينقلهم من الإيمان الغيبي إلى الإيمان الذي يصل إلى درجة تشبه المشاهدة ؛ ولذا قالوا : فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ أي إذا كنا قد امتلأت قلوبنا بربوبيتك ، وألوهيتك وعبوديتك فارفعنا إلى مرتبة أعلى هي أن نكتب مع الشاهدين ؛ ومن هم الشاهدون ؟ يصح أن نقول إنهم الذين صفت نفوسهم وزكت مداركهم ، حتى وصلوا إلى درجة العلم الذي يكون كعلم المشاهدة والرؤية ، الذين قال في أمثالهم محمد صلى اللّه عليه وسلم : « اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك » « 1 » فهذه مرتبة من الإيمان ، والمعرفة أعلى من مجرد الإيمان . ويصح أن تسمى هذه المرتبة مرتبة الشهود أو المشاهدة التي يقول عنها الصوفية ، فالمؤمن يتعبد ، ويصفى نفسه من أدران الدنيا ، حتى يصبح كأنه يشاهد اللّه رب العالمين في أعلى ملكوته ، ويحس في كل فعل يفعله كأنه في حضرته العلية كمن يعاينه . وإن النص الكريم يدل على وجود ذلك الصنف من العباد الأصفياء الأتقياء الأبرار ، وأنهم في أعلى درجات اليقين ، بدليل أن هؤلاء الأتقياء طلبوا أن يكونوا في هذا الصنف ، وحكى العلى القدير للأجيال طلبهم الذي رشحهم له فرط ضراعتهم وتقواهم ، وأولئك الشاهدون هم الأنبياء والصديقون والشهداء . أحس عيسى عليه السلام بحدة كفر الكافرين ، وشدة نضالهم ؛ ولذلك اتجه إلى أن يكون له دعاة مناصرون أطهار ، تكون منهم مدرسة الحق ، وأخذ يبث تعاليمه في تلاميذه ، وينتقل في أراضي بيت المقدس وجبالها وآكامها هاديا مرشدا باعثا الأرواح إلى الإيمان بالحق ، ولكن جحدوا بالحق بعد أن ظهرت أماراته ،
--> ( 1 ) سبق تخريجه .