محمد أبو زهرة

1238

زهرة التفاسير

آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ فهذا النص الكريم يفيد مقدار إدراكهم لمعنى نصرة اللّه تعالى ونصرة رسوله عيسى عليه السلام ؛ قالوا آمَنَّا بِاللَّهِ أي آمنا بأنه الواحد الأحد الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه خلق الأشياء بإرادته المختارة ، وبقدرته الفعالة ، ولم توجد عنه الأشياء وجود المعلول عن العلة ، والمسبب عن السبب ، كما كان يدعى بعض الفلاسفة في عصرهم ، وأردفوا قولهم بما يدل على الإذعان المطلق للّه تعالى ، وإخلاص نياتهم وقلوبهم له سبحانه بقولهم : وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ . الشهادة هنا بمعنى العلم المنبعث من المعاينة والمشاهدة ، فهم يطلبون من سيدنا عيسى أن يعلم علم معاينة بأنهم مسلمون أي مخلصون قد أسلموا وجوههم للّه رب العالمين ، وصاروا بتفكيرهم وقلوبهم وجوارحهم للّه تعالى ، وإن ذلك فوق أنه إعلام لحقيقة نفوسهم هو إشهاد من قبلهم بما خلصت به أرواحهم . خاطبوا بهذا الخطاب نبي اللّه تعالى مجيبين دعوته ، ملبين نداءه ، معلنين نصرته ، ثم اتجهوا بعد ذلك إلى اللّه تعالى ضارعين إليه قائلين : رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ وقد صدروا ضراعتهم إلى اللّه تعالى بالاعتراف الكامل بالربوبية ، وفي الاعتراف بالربوبية إحساس صادق بجلال النعم ، وتقديم شكر المنعم ، ثم الاعتراف بالربوبية الحق يطوى في ثناياه الاعتراف بالألوهية الحق ؛ لأن كمال الخضوع للّه لا يكون إلا بالإيمان بالربوبية ، ووراء هذا كله الإفراد بالعبودية ، ثم بعد الضراعة بلفظ الربوية أعلنوا الخضوع والإذعان الكامل ، فقالوا : آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أي صدّقنا تصديق إذعان وتسليم وهداية بما أنزلت . وما أنزل اللّه تعالى على عيسى عليه السلام هو تكليفات ؛ فالإيمان الصادق بها يقتضى العمل ؛ لأن العمل يدل على كمال الإيمان ، ولأن المخالفة من غفوة الإيمان ، ومن قبيل ذلك قول محمد صلى اللّه عليه وسلم : « لا يزنى الزاني حين يزنى وهو مؤمن » « 1 » . وقد تأكد ذلك المعنى وهو العمل بمقتضى ما أنزل لهم بعد ذلك في

--> ( 1 ) سبق تخريجه .