محمد أبو زهرة

1237

زهرة التفاسير

إلى اللّه ، فقال : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ وقد قال في ذلك الزمخشري : « إلى اللّه من صلة أنصارى مضمنا معنى الإضافة ، كأنه قيل : من الذين يضيفون أنفسهم إلى اللّه ينصروننى كما ينصرني ، أو يتعلق بمحذوف حالا من الياء ، أي من أنصارى ذاهبا إلى اللّه أو ملتجئا » والأوضح في نظري أن يكون المحذوف حالا من الأنصار أنفسهم أي من أنصارى حالة كونهم متجهين ملتجئين إلى اللّه تعالى ، وفي هذا طمأنة لهم بأن نصرته هي نصرة اللّه ، وأن الذين ينصرونه يلتجئون إلى جانب اللّه تعالى ، يعتمدون عليه ، فهم إذا كانوا للحق منعة ، في عزة من اللّه ومنعة منه ، وإن دعوة الحق لا بد أن تجد نصيرا وإن طغى الباطل واشتد ؛ ولذلك أجيب عيسى عليه السلام من المخلصين من قومه : قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ الحواريون هنا هم أنصار عيسى عليه السلام الذين أخلصوا له ولازموه ، وكانوا عونه في الدعاية إلى الحق بعد اللّه تعالى الذي أمده بنور من عنده . وأصل مادة ( حور ) : هي شدة البياض ، أو الخالص من البياض ، ولذلك قالوا في خالص لباب الدقيق : الحوّارى ، وعلى النساء البيض : الحواريات ، والحوريات ؛ وعلى ذلك يكون تسمية صفوة الرجل وخاصته حواري ؛ لأنهم أخلصوا له ، ولأنهم لباب الناس بالنسبة له ، وكذلك كان حواريو عيسى عليه السلام ؛ فقد كانوا خاصته ، والذين صفت نفوسهم ، وخلصت من أدران الدنيا وأهوائها كما يخلص الثوب الأبيض الناصع البياض من كل ما يشوبه . أجاب أولئك الحواريون عيسى عليه السلام عندما أخذ يبحث عن النصراء نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ وهم بذلك بينوا اهتداءهم لأمرين : أولهما : أنهم علموا أنه يتكلم عن اللّه تعالى وأنه رسول أمين ؛ ولذلك اعتبروا إجابة دعوته هي من إجابة دعوة اللّه ، وأنهم إذا كانوا نصراءه فهم نصراء اللّه تعالى ؛ ولذا قالوا : نحن أنصار اللّه ، ولم يقولوا نحن أنصارك . الأمر الثاني : أنهم فهموا أن نصرته تكون بإخلاص النية للّه تعالى ، وتصفية نفوسهم من كل أدران الهوى ، حتى تكون خالصة للّه تعالى ، ولذلك أردفوا قولهم هذا بما حكاه سبحانه وتعالى عنهم بقوله تعالى :