محمد أبو زهرة
1228
زهرة التفاسير
وأما العلم الثالث والرابع : فهما علم التوراة وعلم الإنجيل ، والتوراة تومئ إلى علم الرسالات التي كانت قبلها ، وعلم الإنجيل هو العلم برسالته التي بعث بها في وسط تلك المادية التي استولت على بني إسرائيل ، وهذا يدل على اتصال رسالته بالرسالات التي سبقته ، وكل رسول مبعوث لا تكون رسالته مقطوعة عما قبلها ، بل هي موصولة بها متممة لها ، وهي لبنة في صرح الرسالات الإلهية وبعد أن أشار سبحانه وتعالى إلى علم الرسالة التي هيأه اللّه تعالى لها ، أشار إلى من أرسل إليهم ، فقال تبارك وتعالى : وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ : أي بعثه سبحانه وتعالى رسولا إلى بني إسرائيل . ومعنى الكلام : ويجعله أو يبعثه رسولا إلى بني إسرائيل . وذكر بنو إسرائيل خاصة مع أن دعوته كانت تعم كل الذين علموها من اليهود والرومان وغيرهم حتى يجئ من السماء ما ينسخها أو يكملها ، وهي الرسالة العامة الخالدة ، رسالة محمد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؛ والسبب في اختصاص بني إسرائيل بالذكر أنهم هم الذين خرج عيسى من بينهم ، فهو منهم ، وقد كانوا يدعون أنهم أولى الناس بعلم الرسائل الإلهية ، وكانت دعوته بينهم ، وانبعثت منهم إلى غيرهم ، فكان تخصيصهم بالذكر ، فيه إشارة إلى حقيقة واقعة وتوبيخ لهم ؛ لأنهم أوتوا العلم برسالات الأنبياء ، مع ذلك كفروا برسول مبعوث منهم ، أوتى بمعجزات لا تجعل للعقل مساغا لإنكار . ولقد ذكر سبحانه في هذه الآيات معجزات عيسى التي أرسله اللّه بها لإثبات رسالته ، فقال سبحانه : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وهذا النص الكريم فيه معنى هذه الرسالة التي كان بها رسولا ، أي أنه يتبين معنى أنه رسول بقوله : أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فالجملة عطف بيان لمعنى الرسالة المنطوى في الكلام . وفي الكلام التفات وانتقال من خطاب اللّه لمريم ، إلى بيان رسالة بشارة اللّه إليها ، وجاء بيان الرسالة على لسانه هو ، وابتدأ بيان الرسالة ببيان إثباتها ، وهو المعجزة ، وكأن المعجزة جزء من الرسالة ؛ لأنها ركنها ودعامتها التي قامت عليها ، ولأن معجزة عيسى كانت