محمد أبو زهرة

1229

زهرة التفاسير

تومئ إلى معان من رسالته ؛ ذلك بأن عصره كان عصرا ماديا ، لا يؤمن بالإرادة المختارة للّه تعالى ، ويؤمنون بالأسباب التي تجرى في الحياة على أنها المؤثرات في إيجاد الأشياء ، فكانت معجزاته عليه السلام إعلانا لبطلان تأثير الأسباب ، بدليل خرق هذه الأسباب ، بإحياء الموتى ؛ وقد جرت الأسباب المادية التي ترى على أن من مات لا يحيا في هذه الدنيا ، وأن الأكمه الذي ولد أعمى لا يرتد بصيرا ، وأن إخراج الحىّ من الطين مباشرة لا يكون ، فجاء عيسى بكل هذا ، فكان إعلانا قويا بأن اللّه فاعل مختار ، وذلك جزء من رسالته . والآية هنا هي المعجزة ، وهي في أصلها العلامة ، والمراد بها هنا العلامة الدالة على الرسالة ، وأطلق على الجزء من القرآن آية ؛ لأن كل آية في كتاب اللّه تعالى معجزة في ذاتها ، دالة بوحدتها على رسالة النبي صلى اللّه عليه وسلم . ولقد ذكر بعد ذلك سبحانه آيات ، وكانت الآيات المذكورة في هذا المقام أربعا ؛ وعبر عنها بآية ؛ لأن مجموعها دال على رسالته ، وإن كانت كل واحدة منها تصلح حجة قائمة بذاتها ؛ فذكرها بلفظ المفرد للإشارة إلى أنها جميعا كانت آيته . والآيات الأربع : هي أنه يخلق من الطين كهيئة الطير ، فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن اللّه ، وأنه يبرئ الأكمه والأبرص ، وأنه يحيى الموتى ، وأنه ينبئهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ؛ فهذه آيات أربع . والآيات الأربع ذكرت مضافة إلى السيد المسيح عليه السلام ؛ لأنها كانت تجرى على يديه ، ولأنها هي التي كان يقيم بها الدليل على رسالته ؛ وقد خاطب بها بني إسرائيل ، ومن استمع إليه من الرومان وغيرهم . وأول هذه الآيات تصوير الطين ثم النفخ فيه فيكون طيرا ، وقد ذكرها سبحانه وتعالى بقوله : أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ