محمد أبو زهرة
1225
زهرة التفاسير
قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ ما يَشاءُ أي كهذا الخلق الذي تجدينه في أن يكون لك ولد من غير أن يمسك رجل وهو إبداع ، يخلق اللّه تعالى ويبدع ما يشاء ويريد إبداعه ، وكلمة يخلق غير ينشئ ؛ لأن الخلق إنشاء على غير مثال سبق ، فالتعبير ب « يَخْلُقُ » يفيد الإبداع ، وأنه منهاج في التكوين يخالف منهاج غيره في التكوين . وهذه الجملة السامية تفيد أمورا ثلاثة : أولها : أن هذا النوع من التكوين ، وهو إنجاب من غير أب هو في قدرة اللّه تعالى ؛ لأنه الخالق المبدع ، وما هو غريب عليكم هو في قدرته سبحانه ؛ لأن من خلق الخلق الأول وخلق السنن الكونية وغيرها قادر على تغييرها ؛ لأنه مبدعها ومنشئها . ثانيها : أن خلق عيسى أمر من أمر اللّه تعالى ، وعيسى ليس إلا مخلوقا من مخلوقاته ، فهو أبدعه كما أبدع غيره من المخلوقات ، فليس إلها ولا ابن إله . ثالثها : أن خلق اللّه تعالى بمشيئته وإرادته ، وهذا فيه إشارة إلى السبب الذي من أجله خلقه اللّه تعالى من غير أب وهو أن المخلوقات لا تصدر عن اللّه صدور المعلول عن علته ، ولكنها توجد بإيجاده وتنشأ بإبداعه : بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وفي ذلك رد عملي على أهل الفلسفة المادية التي تقول إن العالم نشأ عن العقل الأول نشوء المعلول عن علته . ثم أشار سبحانه إلى عظيم قدرته بقوله تعالى : إِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ أي أن اللّه سبحانه وتعالى إذا أراد أن يوجد أمرا لا يوجده إلا بكلمة « كن » وعبر سبحانه عن الإيجاد ب « قضى » للإشارة إلى أن إيجاده للأشياء ليس إلا من قبيل الحكم عليها بالوجود ، فإذا حكم بالوجود في أمر نفذ حكمه ، وحكمه هو أن يقول كن ، فيترتب على ذلك أن يكون . وهل الأشياء حقيقة تنشأ بمجرد الإرادة الإلهية ، أم أن هذا تصوير لسهولة الخلق ؟ الظاهر أن هذا بيان لسهولة ذلك على خالق الخلق ، وبارئ النسم ؛ فهو