محمد أبو زهرة

1221

زهرة التفاسير

منه ؟ لأنه سبحانه خلقه وأبدعه بكلمة منه ؛ فإذا كان سبحانه قد خلق الأحياء بطريق التناسل : الرجل يلاقح الأنثى ، ويخرج الأولاد من أصلاب الآباء ، فإن عيسى عليه السلام لم يخلق ذلك الخلق ، بل خلقه اللّه تعالى خلقا آخر ؛ خلقه بكلمة منه وهي « كن » فكان ، فكان جديرا بأن يعتبر كلمة ، وأن تكون هذه الكلمة منسوبة إلى اللّه تعالى . ويقول ابن جرير : إن الكلمة هي كلمة البشرى ، تشريفا لمريم البتول ، وتكريما لها بأن تكون البشرى بكلمة من اللّه ، أي بخطاب من اللّه تعالى مرسل منه إليها . ويزكى هذا قوله تعالى : وَكَلِمَتُهُ أَلْقاها إِلى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ . . . ( 171 ) [ النساء ] . وقوله تعالى : اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ هو ما تضمنته البشارة ، ويكون التأويل : يبشرك ببشارة جازمة قاطعة لا احتمال لتخلفها ؛ هذه البشارة هي ولد اسمه المسيح عيسى ابن مريم . وكأن « اسمه المسيح » تكون خبرا لمبتدأ محذوف تقديره : البشارة ولد اسمه المسيح عيسى بن مريم . وقد عرّف سبحانه وتعالى ذلك المولود بثلاثة تعريفات : لقب ، واسم وكنية ؛ أما اللقب فهو المسيح ، وأما الاسم فعيسى ، وأما الكنية فهو ابن مريم ، وهذه التعريفات الثلاثة ، كل واحد منها يومئ إلى معنى قد تحقق في السيد المسيح عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم ؛ فأما الكنية فللإشارة إلى أن نسبه ثابت لأمه لا لأحد سواها ، فليس ابنا لأي حىّ من الأحياء ، وليس ابنا للّه تعالى كما توهم أو كما لبّس على نفسه كل من لا يريد أن يحكّم عقله فيما لقّن من عقائد باطلة ، ولا تعلق لهم في أن عيسى قيل عنه كلمة اللّه ، فالكلمة هي البشارة ، وهي مخلوقة ، أو لأنه خلق بكلمة اللّه وهي « كن » وكلتاهما لا يمكن أن تكون ابنا للّه تعالى . وأما الاسم فينبئ عن البياض والصفاء المعلم الواضح ؛ ولذلك يقول الأصفهاني : « عيسى اسم علم وإذا جعل عربيا أمكن أن يكون من قولهم : بعير أعيس وناقة عيساء ، وهي إبل بيضاء يعترى بياضها بعض الظلمة ، أي فيها اغبرار يعطى بياضها صفاء وجمالا ، فهو ينبئ عن جمال تكوينه ، وجمال دعوته وصفاء رسالته .