محمد أبو زهرة

1222

زهرة التفاسير

وأما اللقب فهو ينبئ عن البركة والفضل ، وهو أحسن ما قيل في ذلك ؛ فقد ذكر الزمخشري أن كلمة مسيح في أصلها العبري ، وهو مشيح ، معناه مبارك ، وهذا قد جاء في شكره لربه إذ قال : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ . . . ( 31 ) [ مريم ] . وقد وصفه اللّه سبحانه وتعالى بأربعة أوصاف وأحوال ؛ أولها : أنه وجيه في الدنيا والآخرة ، والثاني : أنه من المقربين ، والثالث : أنه يكلم الناس في المهد وكهلا ، والرابع : أنه من الصالحين . وقد ذكرت هذه الأوصاف كلها لأمه وقت البشارة به ، فكانت أجل تبشير لأم رءوم في مثل تقوى مريم البتول . وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى الوصفين الأولين بقوله تعالى : وَجِيهاً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ هذان وصفان تمّا لعيسى الرسول بعد كمال رجولته ، وظهرا أتم ظهور في أداء رسالته ، وأحدهما وصف ذاتي أضفاه اللّه تعالى على ذاته النبوية الطاهرة ليكون صاحب رسالته ، وداعى هدايته ، وناشر رحمته ، وذلك الوصف هو الوجاهة في الدنيا ، والوصف الثاني وصف إضافى ، وهو أنه في موضع المقربين من اللّه تعالى ، وهذا وصف يضفى شرفا إضافيا ، فوق شرف النبوة ، وشرف الرسالة الإلهية . وكلمة « وجيه » مشتقة من الوجه ؛ لأنه هو الذي يلقى به الناس ، وهو مظهر كل ما في النفس مما يوجب الاحترام ، ومنه اشتقت كلمة جاه ، أي أن من له جاه يكون ذا وجه دال على الاحترام والشرف ، فمعنى « وجيها » أي أنه ذو شرف ومكانة ؛ أما مكانته يوم القيامة ، فأمر مقرر ثابت ، وإذا لم يكن لمثل عيسى هو وأمثاله من النبيين عليهم السلام وجاهة فوق تقديرنا ، فلمن تكون وجاهة الآخرة ؟ وأما وجاهة الدنيا فأمر ثابت مقرر ، وأي وجاهة وشرف وأثر في النفوس أكبر من وجاهة رجل روحاني يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى ، ويؤثر في القلوب فتنجذب له ، ولم يستطع أن ينال خصومه منه شيئا ، وإذا قيل إن اليهود آذوه وطردوه فليس ذلك بمانع من وجاهته ، بل إنه دليل وجاهته وأثره في