محمد أبو زهرة

1220

زهرة التفاسير

إذ في قوله تعالى : وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ( 42 ) [ آل عمران ] فإذ هنا في مقام البدل أو البيان من الأولى ؛ لأن هذا فيه تفصيل لمعنى الاصطفاء الذي اختصت به على نساء العالمين ؛ والمعنى : اذكر إذ قالت الملائكة يا مريم إن اللّه اصطفاك . . إذ كان ذلك الاصطفاء على نساء العالمين ؛ بأن كانت هي التي تلقت البشارة الكبرى بأن تلد مولودا من غير أب قد أنجبه . والملائكة الذين خاطبوا مريم بذلك الخطاب يتضح من السياق أنهم الذين خاطبوها بالاصطفاء ؛ فكأنهم قد بشروها بالاصطفاء على نساء العالمين ، وبشروها مع ذلك بنوع الاصطفاء . وقد استظهرنا كما استظهر ابن جرير الطبري أن الملائكة الذين بشروا بالاصطفاء كانوا عددا ولم يكونوا واحدا ، فلا بد إذا أن الذين بشروا بحقيقته كانوا عددا أيضا ، ولكن سورة مريم فيها بيان أن الذي أنبأها نهائيا بهبة اللّه تعالى لها كان ملكا تمثل في صورة بشر قد أودعها ما يكون منه الولد من غير تلقيح جنسي ؛ لأن الملك ليس له تلك الشهوة الإنسانية ؛ ولذا قال سبحانه : وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 ) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 ) قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا ( 18 ) قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا ( 19 ) قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا ( 20 ) قالَ كَذلِكِ قالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكانَ أَمْراً مَقْضِيًّا ( 21 ) [ مريم ] . وإن التوفيق بين هذا النص الكريم ، والنص الذي نتكلم في معناه سهل لا يحتاج إلى إعمال فكر ؛ ذلك أن اللّه سبحانه وتعالى أرسل ملائكته إليها يبشرونها بالاصطفاء ويبشرونها بنوع الاصطفاء ، ثم أرسل إليها بعد هذه البشارات المتكررة ملكا تمثل لها بشرا سويا ، . ليودع رحمها نهائيا تلك الهبة التي أهداها رب العالمين إليها . ذكر سبحانه البشارة بأنها كلمة منه ، وأن معنى هذه الكلمة شخص حي يسرى عليه حكم الأحياء اسمه المسيح عيسى ابن مريم ، فلما ذا اعتبره الكريم كلمة