محمد أبو زهرة
1218
زهرة التفاسير
يحتكمون إلى القرعة ، ليعرفوا بطريق التفويض للغيب أيهم يكفل مريم فتضم إليه ، وقد ذكر سبحانه من قبل أن الكفالة بهذه القرعة آلت إلى زكريا عليه السلام ، إذ قال من قبل : وَكَفَّلَها زَكَرِيَّا كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً . . . ( 37 ) [ آل عمران ] . ما كنت عندهم في هذا الوقت ، وما تلقيت بالسماع من أحد ، وما كنت تقرأ في كتاب ، فمن أي شئ علمت هذا الغيب الذي لا يعلمه أحد ؟ إنه لا بد أن يكون من عند اللّه تعالى ، فهذه الجملة الكريمة سيقت لإثبات أن العلم كان وحيا من عند اللّه العليم الخبير . وهنا بعض مباحث نشير إليها : أولها : أن « لدى » معناها « عند » ، و « لدى » هنا تشير إلى معنى ليس في « عند » ؛ ذلك أنها تشير إلى عندية بعيدة غير حاضرة ولا قريبة في الزمن ؛ فهي تشير إلى أن خبر مريم وولادتها خبر بعيد موغل في القدم بالنسبة للإنسان ، فما كانت هذه العندية متصورة ، وما كان لأحد أن يعلم ما عند القوم علم من يشاهد ويعاين ؛ لأن كثيرا منها كان نفسيا قلبيا ، وبعضه كان حسيا ماديا ولكن لم يعلم للناس . وثانيها : أن هذه القصة ليست معلومة على هذا الوجه عند المسيحيين ، ولا يسعهم تكذيبها ؛ لأنها أقرب إلى العقول مما ينسبونه لمريم من أنها كانت ذات بعل ، أو مخطوبة أو نحو ذلك ، فما عندهم مدعاة للشك ، وما ذكره القرآن مدعاة للصدق والطهر والنقاء ، وهذا الذي يرشح للآية الكبرى بولادتها من غير حمل ؛ فأي الخبرين أصدق قيلا ؟ وثالثها : وهو أن هذه القصة بما تشير إليه الآية الكريمة : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ تشير إلى بعض معاني الإعجاز في القرآن الكريم ، وهو حكاية أخبار الأولين التي لم يكن يعلمها أحد إلا ربّ العالمين ، وهي حكاية دلائل الصدق فيها واضحة ، وبينات الحق فيها لائحة ؛ وإذا كان النبي لا يعلمها عن