محمد أبو زهرة
1217
زهرة التفاسير
اللّه تعالى ، وكفالة اللّه تعالى لها بنبي من أنبيائه ، وتشريف اللّه تعالى بخطاب ملائكته لها مبشرين بالآية الكبرى والمعجزة الإلهية القاطعة ، وذلك بولادة عيسى عليه السلام . وفي ذلك إشارة إلى وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم ، وهو إخباره بالصادق الذي لا يوجد دليل قط على كذبه مع أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقرأ ولم يكتب ، ولم يتعلم ، والخبر لم يكن مدونا من قبل حتى يتلقاه من أحد كأولئك ؛ الذين ادعوا أنه كان يقول ما يقول عن أخبار بني إسرائيل من حداد بمكة ، وقد رد اللّه تعالى فريتهم بقوله تعالى : لِسانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ( 103 ) [ النحل ] . فلا يمكن أن يدعى لأخبار مريم ؛ لأنه ما كان معلوما قبل بيان اللّه تعالى ، ولذلك سماه غيبا . وقد وضح سبحانه وتعالى هذا المعنى ، وهو كون هذا بوحي ، لا من عند محمد عليه الصلاة والسلام ، بقوله : وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ الأقلام جمع قلم ، من قلمه بمعنى قطعه ، والمراد بالأقلام القداح التي يضربون بها القرعة . والاختصام معناه في الأصل أن يكون كل في خصم أي جانب ، والاختصام هنا هو التنافس بينهم في كفالة مريم ؛ وذلك لأنها ولدت يتيمة ، وقد تيمن العباد من بني إسرائيل بها ، وكل يرجو خيرا من كفالتها ، ويتخذ من هذه الكفالة قربة وزلفى إلى اللّه العزيز الحكيم ، العليم الخبير ، فلما كان الاختصام والتنافس اتفقوا على القرعة تحكم بينهم ، وقد كانت نتيجة القرعة أن آلت كفالتها إلى نبي اللّه زكريا عليه السلام ، وهكذا كان اللّه تعالى يختار لها ولابنها ؛ فاختارها من صفوة آل عمران ، واختارها منذورة للعبادة محررة لها ، واختارها مكفولة بنبي ، واختارها لخطاب الملائكة إياها ، ثم كانت النتيجة لهذا كله أن اختارها على نساء العالمين لتكون موضع آيته الكبرى في هذا الوجود . والمعنى الجملي للنص الكريم : وما كنت لديهم أي عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم ، كل يريدها في كنفه ورعايته ، وما كنت لديهم إذ