محمد أبو زهرة
1127
زهرة التفاسير
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر ، فالفئتان المشار إليهما في الآية : المسلمون ، والمشركون . والمسلمون الفئة التي تقاتل في سبيل اللّه ، أي في سبيل إعلاء كلمته وطلبا لمرضاته ، والأخرى الكافرة : المشركون . والمعنى على هذا أن اللّه سبحانه إذ ينذر الكافرين بأنهم سيغلبون في الدنيا ، ينذرهم بما قامت عليه البينات ، وظهرت به الأمارات ؛ وذلك لأن لهم آية أي أمارة ودلالة تدل على صدق ما يوجهه النبي صلى اللّه عليه وسلم من أنهم سيغلبون ، وتلك الآية الدالة على صدق ذلك التهديد والإنذار الشديد هي في حال الطائفتين اللتين التقتا في حرب قوية ، إذ انتصرت الفئة التي تقاتل في سبيل اللّه وهي القلة ، على الفئة الكافرة وهي الكثرة ، ومع أن أولئك الذين يقاتلون في سبيل اللّه كانوا يعلمون أن أولئك أكثر عددا ، وأكثر عدّة . ونريد أن نبحث هنا في بعض الألفاظ التي لها إشارات بيانية : فقوله تعالى عن الفئة الكافرة : وَأُخْرى كافِرَةٌ فيه إشارة إلى بعد ما بين الفريقين من حيث الغاية من القتال ؛ ففيه إشارة إلى تقدم الأولى معنويا ، وتأخر الثانية ؛ فالأولى تقاتل لا لعرض من أعراض الدنيا ، ولا لغاية مادية مبتغاة ، بل للحق ، وفي سبيل الحق ، ومرضاة للحق جل جلاله ؛ والأخرى تكفر بكل هذه المعنويات فتقاتل في الباطل وللباطل ولنصرة المادة ، ولأعراض الدنيا ؛ وفرق ما بين الفئتين عظيم ؛ فإن كانت الأولى فقيرة في المال قليلة في العدد ، فهي قوية بالمقصد والغاية ، والثانية على نقيض ذلك تماما ، فهي كثيرة المال وكثيرة العدد ، ولكنها فقيرة في الإيمان . وقوله تعالى : يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ فيه بيان أن المؤمنين يرون المشركين مِثْلَيْهِمْ أي أكثر منهم مرتين ، فالمثل معناه المساوى ، والمثلان لأمر ضعفه ، والمعنى على هذا أن المؤمنين الذين أعطاهم اللّه ذخيرة من الإيمان واليقين وطلب الحق يرون أعداءهم رأى العين لا بالوهم والخيال ضعفهم ، ومع ذلك لم