محمد أبو زهرة

655

زهرة التفاسير

لنقمته ؛ وهو حكيم يضع الأمور في مواضعها ؛ فلا يجعل المسئ كالمحسن ، ولا المصلح كالمفسد ؛ فكان من مقتضى حكمته أن يفرق بين الأخيار والأشرار وأهل الإيمان وأهل الكفر . هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ نادى الله سبحانه أهل الإيمان بأن يدخلوا في الإسلام بكل شرائعه وأحكامه ، وأن يدخلوا في السلام العام ، كما يقيم فيما بينهم السلام والأمن ؛ وحذرهم من الشيطان وغروره ؛ وحذرهم من أن يزلوا فيحرموا من نصر الله ، وينزل بهم عقابه ؛ وبعد ذلك أشار سبحانه إلى أهل الضلال ، وكيف استمرءوا الغواية ، وسدوا في نفوسهم طريق الهداية ؛ وقد أقام سبحانه عليهم الدليل بعد الدليل والحجة بعد الحجة ، وقد استنكر حالهم منذرا ، فقال : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وينظرون : معناها ينتظرون ؛ يقال نظرته وانتظرته بمعنى واحد ؛ و « ظلل » : جمع ظلة . كظلم جمع ظلمة ؛ و « الغمام » اسم جنس جميع لغمامة ، وهي السحاب الرقيق ؛ وسمى بذلك لأنه يغم أي يستر ؛ والاستفهام إنكاري ؛ فمعنى هَلْ يَنْظُرُونَ لا ينتظرون . وقد وجه بعض المفسرين الآية على أن الكلام على حذف مضاف ؛ فمعنى إتيان الله إتيان عقابه ؛ وعلى ذلك يكون المعنى : إن هؤلاء المشركين الذين كفروا بالله بعد أن جاءتهم البينات هم في غيهم يعمهون ، وكأنهم لا ينتظرون بعد هذه الحجج الدامغة القاطعة إلا أن يأتيهم عذاب الله في ظلل من السحاب يحسبونها عارضا ممطرهم ، وهي عذاب يسحقهم ، فتأتيهم النقمة من حيث ينتظرون النعمة ، ويأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون فعلى هذا التخريج تكون الآية للوعيد ؛ ويكون معنى إتيان الله وملائكته إنزال عذابه الدنيوي ؛ ومعنى قوله تعالى : وَقُضِيَ الْأَمْرُ على هذا التخريج أنه إذا نزل عذاب الله في الدنيا فقد قضى أمره فيهم ؛ إذ لم يكن ثمة رجاء في إيمانهم ؛ وكذلك كان يفعل الله سبحانه في الأقوام الذين طغوا وبغوا ، وحالوا بين الناس والهداية ، كما فعل بعاد قوم هود ، وبثمود قوم صالح ، وبفرعون وجيشه ، ومن قبل ذلك بقوم نوح ، وغيرهم ، أما الذين علم الله أن سيكون فيهم هداية ، فإنه يمهلهم ولا يهملهم .