محمد أبو زهرة

656

زهرة التفاسير

وهناك اتجاه آخر ، وهو عدم تقدير كلمة عذاب ، وأن مجىء الله هو تجليه يوم القيامة ، وكشف الحجاب للناس يوم الجزاء ؛ فيتجلى عليهم ربهم وملائكته ؛ والمعنى على هذا الاتجاه أن أولئك الجاحدين سادرون في ضلالهم ولهوهم حتى يأتيهم أجلهم ، وكأنهم لا ينتظرون وهم مستمرون في ضلالهم إلى اليوم الآخر حيث يحاسبهم الديان ، وتجرهم إلى النار ملائكة الجبار ، وينال المؤمنون مثوبة الرحمن ؛ ويكون معنى وَقُضِيَ الْأَمْرُ أنهم عاينوا الحقائق التي أنكروها حيث قضى الأمر نهائيا ولم تعد لديهم فرصة للتوبة والرجوع إلى ربهم ؛ ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قياما أربعين سنة ، شاخصة أبصارهم إلى السماء ، ينتظرون فصل القضاء ، وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي » « 1 » . وقد بدا معنى لي غير المعنيين السابقين في إتيان الله سبحانه وملائكته ، وهو أن أولئك المشركين قد كفروا مع أن الحجة قاطعة ، والبينات دامغة ، والحق واضح أبلج والرسول بين ظهرانيهم قد عرف طول حياته بالصدق والأمانة ، وإذا كانوا قد كفروا مع تلك البينات فهل ينتظرون أن يأتيهم الله هو وملائكته في ظلل من الغمام ، لكي يؤمنوا برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم بعد أن يشاهدوا الله وملائكته ؛ ولقد طلبوا أن ينزل ملك من السماء برسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم : وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) [ الأنعام ] فالاستفهام حينئذ للتوبيخ واللوم مع النفي ؛ أي أن حالهم حال من لا يريدون أن يؤمنوا إلا بعد أن يعاينوا ويروا الله وملائكته جهرة ؛ كما قال إخوان لهم سبقوهم لموسى : أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً . . . ( 153 ) [ النساء ] ؛ ومعنى وَقُضِيَ الْأَمْرُ أي انته الأمر عند هذه المعجزة التي جاء بها محمد ، فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ . . . ( 29 ) [ الكهف ] . وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ إليه سبحانه وحده لا إلى أحد سواه ، ولا إلى أحد معه ، تصير الأمور خيرها وشرها ، وسيجزى كلا بما يستحق ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر .

--> ( 1 ) رواه ابن أبي الدنيا ، والطبراني من طرق أحدها صحيح ، والحاكم وقال : صحيح الإسناد . ذكره المنذري في الترغيب والترهيب .