محمد أبو زهرة
644
زهرة التفاسير
إلى ما يدمر الأرض ويخربها ويجعلوا عاليها سافلها قد ضلوا عن سنة الله ، وخرجوا على قانون الفطرة وهم بعيدون عن محبة الله ؛ لأنهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون . وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ هذه حال الطغاة يرتكبون ما يرتكبون ، وينزلون بالناس ما ينزلون ، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ؛ وقد زين لهم سوء عملهم فرأوه حسنا ، وإذا كانت النوازل تنزل بالضعفاء لم يلتفتوا إليها لعماية الطغيان وفساد البصر والمدارك ، فإذا تقدم أحد الناس مرشدا واعظا نهروه ، وربما امتدت إليه أيديهم بالأذى ، وأخذتهم العزة ؛ أي الاستعلاء الجاهلي وحماقة الكبرياء ؛ ودفعتهم الجرائم إلى إثم آخر فوق إثم الطغيان ، وفوق ما ارتكبوا من آثام ، وما أنزلوا بالضعفاء من آلام . والباء في قوله تعالى : بِالْإِثْمِ إما أن تكون بمعنى المصاحبة والاقتران ، والمعنى على هذا أخذتهم العزة واستولت عليهم مقترنة بالإثم مصاحبة له ، فهي ليست عزة محمودة ، بل كبرياء مبغوضة ؛ أو تكون الباء للسببية بمعنى لام التعليل ، ويكون المعنى : أخذتهم العزة الغاشمة والعنجهية الظالمة بسبب الإثم الذي استغرق قلوبهم وأحاط بنفوسهم ، أي أنهم لفرط ما ارتكبوا من آثام ، قد أحاطت بهم خطيئاتهم فسدت مسارب الهداية إلى قلوبهم ، فإذا سمعوا كلمة الرشاد لم يتقبلوها ، وأنغضوا رؤوسهم حاسبين أن ذلك إهانة لسلطانهم ؛ وإصغار لشأنهم ، وما هو في حقيقة الأمر إلا حماية للسلطان ، وإكبار للأمر ، وخصوصا إذا كان من ناصح أمين . وإذا كانت تلك حالهم فلا صلاح لهم في الدنيا ؛ وهم في إحدى حالين ، وكلتاهما نتيجتها السوأى : إما أن يديل الله منهم في الدنيا ، ويجعلهم عبرة المعتبرين ، ويذيقهم وبال أمرهم في الدنيا ، وتمامه في الآخرة . . وإما أن يمهلهم ويملى لهم حتى يأخذهم أخذ عزيز مقتدر ، ويلقى بهم في نار جهنم ؛ ولذا قال سبحانه : فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ ، الفاء هنا للإفصاح ، لأنها تفصح عن شرط مقدر ، أي إذا كانت هذه حال ذلك الطاغي الفاجر : لا يقيم الحق ، بل يفسد ، ولا