محمد أبو زهرة
645
زهرة التفاسير
يطيع الناصح بل يؤذيه ، وربما يقتله ؛ فالله كافيه ومتوليه ، وهو العزيز المنتقم الجبار ، والله سبحانه ينزل به العذاب الأليم ، بإلقائه في نار الجحيم ؛ فمعنى فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ أي جهنم هي التي تكفيه ، بدل كلمة الحق التي كانت تؤذيه ، وَلَبِئْسَ الْمِهادُ اللام هنا تنبئ عن قسم مقدر وهي داخلة على جوابه ، والمهاد جمع مهد ، وهو المكان المهيأ للنوم ، والتعبير عن جهنم بأنها بئس المهاد لا يخلو من تهكم بأولئك الفاجرين ، كما يقال : ( تحية بينهم ضرب وجيع ) وكقوله تعالى : فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 24 ) [ الانشقاق ] . وبعد ، فإن أول مظاهر الطغيان صم الآذان عن سماع كلمة الحق ؛ ولعل الأمارة الظاهرة للحاكم العادل هي سماعه النقد والملام ، فضلا عن الوعظ والإرشاد ؛ وأمارة الحاكم الطاغي تبرمه بنصح الناصحين ونقد الناقدين فضلا عن لوم اللائمين ؛ والمثل في التاريخ كثيرة مستفيضة ؛ يروى أن رجلا قال لعمر بن الخطاب أمثل الحكام : اتق الله ، فقال بعض الحاضرين أو تقول لأمير المؤمنين : ( اتق الله ) فالتفت الفاروق ، وقال : ألا فليقلها ، لا خير فيكم إذا لم تقولوها ، ولا خير فينا إذا لم نسمعها ! وعمر هذا هو الذي صاح عندما تولى : من رأى منكم فىّ اعوجاجا فليقومه فقال أعرابي : والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقومناه بسيوفنا ! فقال أبو حفص : الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم عمر إذا اعوج ! ولو تنزلنا عن مقام عمر مقام الصديقين لوجدنا من بعض الحاكمين حتى في عصور الاستبداد من يستمع إلى كلمة الحق أحيانا ؛ يروى التاريخ أن يهوديا له حاجة تلقى هارون الرشيد ، وهو خارج ، وقال له : اتق الله يا أمير المؤمنين وذكر حاجته ، فنزل هارون عن دابته وخر ساجدا ، ثم أمر فقضيت لليهودي حاجته ؛ فقيل له : يا أمير المؤمنين نزلت عن دابتك لقول يهودي ! قال : لا ، ولكن تذكرت قول الله تعالى : وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهادُ . وبجوار هذه الذكريات العطرة ، توجد صور معتمة ؛ ومن ذلك ما قاله أحد ملوك بني أمية : من قال لي : اتق الله قطعت عنقه .