محمد أبو زهرة
639
زهرة التفاسير
والخصام - إما أن يقال إنه مصدر خاصم أي جادل أو عادى ؛ أو تقول جمع خصم كضخم وضخام ؛ وقال أبو عبيدة الأول أي أنه مصدر خاصم ، وقال الزجاج الثاني . والمعنى على الأمرين : أن ذلك النوع من الناس الذي يحاول أن يخدع الناس بحلو لسانه ، ويضلهم بقدرة بيانه ، فيه طبع ملازم له ، وهو شدة الخصومة ، ويصح أن نفسر الخصومة بالعداوة ، كما يصح أن نفسرها بالجدل والمغالبة البيانية في ميدان المناظرات . وعلى الأول يكون المعنى إنه شديد العداوة واللجاجة في الخصومة ، فليس هينا لينا قريب الرضا سهل الرجوع ، بل إنه لحب نفسه وكراهيته لخير الناس ، لا يصفح عمن ينال منه ولو بالحق فهو قد أكل الحقد قلبه ، واعتركت في نفسه حسكة « 1 » الحسد ؛ وكذلك كل شرير ؛ لا يحب الناس ، ولا يظهر لهم المودة إلا برئاء القول : بل ذلك شأن المجرمين ؛ ففي طبيعة كل مجرم بغض للمجتمع ، وكأن بينه وبين الناس ثأرا لا يطل ، وترات « 2 » يجب استيفاؤها ؛ وكلما انحدر في جريمة وتلقفته يد العدالة ازداد للناس كرها وعاد إلى مثلها أو أكثر ؛ وكذلك أولئك الذين في قلوبهم مرض ، وفي ألسنتهم حلاوة يخدعون بها الناس : يبغضون الناس ولا يحبونهم إلا بمقدار ما ينالون من أرب فيهم ، ولا يصفحون عمن ينالهم بالقصاص العادل ، ويتبعون العورات ؛ وهكذا هم في خصومات قلبية بينهم وبين الأخيار ؛ يظهرون القول الحسن ليستمكنوا من الرقاب ، ثم يشفوا غيظهم . وعلى الثاني ، وهو أن يكون الخصام بمعنى المجادلة والمنازلة البيانية ، يكون المعنى : أن هؤلاء الذين يخادعون الناس بالقول الحلو ، يثيرون الإعجاب بحسن بيانهم ، ويوثقونه بالأيمان المغلظة ، ويجادلون عنه بقوة وعنف وغلب ؛ فالكلام
--> ( 1 ) الحسكة : نبت له ثمرة خشنة ( السعدان ) ، أو عشب له شوك يؤذى ، وحسكة الصدر : العداوة والحقد والضغينة ، على التشبيه . لسان العرب . ( 2 ) ترّات : جمع ترّة ، من ترّ العضو إذا بان وانقطع بضربة بالسيف ونحوه . لسان العرب .