محمد أبو زهرة
640
زهرة التفاسير
يكون كله في بيان منهاجهم في خدع الناس ، وسلب ثقتهم بقول الزور ؛ ولذلك كان هذا المعنى أنسب للسياق . واللدد في الجدل في ذاته صفة ملازمة للمراء والمهاترة ؛ لأن من يكون همه الجدل يندفع إلى تأييد مذهبه بالحق وبالباطل ، إذ لا يهمه الحق بمقدار ما يهمه انتصار فكره ، وغلبه في ميدان النزال البياني ؛ ولذلك كان مبغضا إلى الله ، وإلى الذين يدعون إلى الحق المجرد ؛ ولقد قال النبي صلى اللّه عليه وسلم فيما رواه مسلم : « إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم » « 1 » ولقد كان الإمام مالك رضي الله عنه يقول : كلما جاء رجل أجدل من رجل نقص مما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم . وفي الحق إن أولئك الذين يحاولون أن يكسبوا قلوب الناس ليتمكنوا من رقابهم بالقول المعسول الخادع فيهم الأمران السابقان : فيهم البغض الشديد للناس ، وفرضهم أعداء وخصوما ، ولا يفرضونهم أولياء وإخوانا ؛ وفيهم اللدد في الجدال ومحاولة الغلب بالحق وبالباطل . بل إن بغضهم للناس ، أو على الأقل عدم نظرتهم إليهم نظرة إخوة واصلة ، ومودة مقربة ، هي التي جعلتهم يحاولون خديعتهم بالقول البراق ، واليمين الغموس ، والجدل الذي تبرق فيه الألفاظ ، ويختفى فيه نور الحق وتنقطع به أسباب اليقين ؛ ولو كانوا يفرضون الأخوة الرابطة بينهم وبين الناس ، لأحبوا لهم ما يحبون لأنفسهم ، ولكرهوا ما يكرهون لهم ، ولكشفوا عن نيتهم واضحة بينة ؛ فالحق دائما أبلج ، والباطل لجلج « 2 » ؛ فحيثما كانت خديعة فثمة هوة فارقة ، لا أخوة جامعة ؛ وحيثما كانت لجاجة فثمة حق ضائع وباطل رائج .
--> ( 1 ) متفق عليه ؛ رواه البخاري : كتاب المظالم والغضب ( 2277 ) ، ومسلم : العلم ( 4821 ) عن أم المؤمنين السيدة عائشة - رضي الله عنها وأرضاها . ( 2 ) يقال : الحقّ أبلج والباطل لجلج ، أي يردّد من غير أن ينفذ ، واللّجلج : المختلط الذي ليس بمستقيم ، والأبلج : المضئ المستقيم . لسان العرب .