محمد أبو زهرة
638
زهرة التفاسير
ولذلك كان أخوف ما يخافه النبي صلى اللّه عليه وسلم على أمته من بعده : رجلا عليم اللسان منافق القلب « 1 » ؛ فإن ذلك النوع من الرجال يثير التظنن بالصالحين ، ويفسد الأمر على المحقين ؛ ويجعل بأس الأمة بينها شديدا ، ولقد روى ابن جرير عن بعض الصالحين أنه قال : إني لأجد صفة ناس من هذه الأمة في كتاب الله المنزل : قوم يحتالون على الدنيا بالدين ، ألسنتهم أحلى من العسل ، وقلوبهم أمر من الصبر ، يلبسون للناس مسوك الضأن ، وقلوبهم قلوب الذئاب ؛ ويقول الله عزّ وجل : فعلى يجترئون وبي يفترون ، وعزتي لأبعثن عليهم فتنة تترك الحليم فيها حيران « 2 » . ومهما يكن من أمر ذلك الخبر ، فإن معناه متحقق سجله الإسلام ، وأثبتته الوقائع ، فما من أمة ابتلاها الله بهيمنة هذا النوع من الرجال إلا فسد أمرها ، واضطراب حالها ، وسارت في طريق أوله نفاق وفساد ، وآخره فتنة وخراب . وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ هذه هي الصفة الثالثة الملازمة للمخادعين الذين يستلبون قلوب الناس من جنوبهم بحسن بيانهم وكذبهم على الله بأيمانهم ، والألد من معناه في اللغة : العوج ، وفسر بعض العلماء قوله تعالى : وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا ( 97 ) [ مريم ] أي عوجا ، والمنافق ألد دائما لأنه أعوج دائما . واللدد من معناه اللغوي أيضا : الشدة في الخصومة والمغالبة فيها ، ويقال رجل ألد وامرأة لدّاء ، وقد لدد يلدّ - كفرح يفرح - لددا ؛ أي صار ألد ، ولددته ألدّ كنصر ينصر إذا جادله فغلبه ، وقال الزجاج في أصل اشتقاق اللدد بمعنى الشدة في الجدل والخصومة إنه مأخوذ من لديدى العنق ، وهي صفحتاه ؛ وتأويله أنه من أي وجه أخذ من يمين أو شمال في أبواب الجدل غلب .
--> ( 1 ) عن عمر بن الخطّاب - رضى اللّه عنه - أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « إنّ أخوف ما أخاف على أمّتى كلّ منافق عليم اللّسان » . [ رواه أحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة ( 137 ) ] . ( 2 ) روى الترمذي : كتاب الزهد - باب ما جاء في ذهاب البصر ( 2328 ) عن أبي هريرة يقول : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يخرج في آخر الزّمان رجال يختلون الدّنيا بالدّين ، يلبسون للنّاس جلود الضّأن من اللّين ، ألسنتهم أحلى من السّكّر ، وقلوبهم قلوب الذّئاب ، يقول اللّه عزّ وجلّ : أبى يغترّون ؟ أم علىّ يجترئون ؟ فبي حلفت لأبعثنّ على أولئك منهم فتنة تدع الحليم منهم حيرانا » .