محمد أبو زهرة
629
زهرة التفاسير
ولقد وصف القاسم بن عبد الرحمن ذلك القسم الذي يطلب حسنة الدنيا والآخرة ، فقال : من أعطى قلبا شاكرا ، ولسانا ذاكرا ، وجسدا صابرا ، فقد أوتى في الدنيا حسنة ، وفي الآخرة حسنة ، ووقى عذاب النار . ولقد كان أكثر دعاء النبي صلى اللّه عليه وسلم « ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » « 1 » . ولم يذكر قسم ثالث وهو الذي يطلب الآخرة فقط ، ولا يطلب الدنيا ؛ لأن الإسلام لا يرضى أن ينسى المسلم حظه من الدنيا ؛ ولأن من يطلب الآخرة يطلب الأعمال الحسنة في الدنيا ؛ لأنها قنطرة الآخرة ، ولأن الإسلام لا يقر الانقطاع عن طيبات الدنيا لحظ الآخرة لأنه لا يرضى بتعذيب الجسم لتهذيب الروح كما يزعم الذين يسلكون ذلك المسلك . ولقد روى البخاري ومسلم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم عاد رجلا من المسلمين صار مثل الفرخ ، فقال له رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « هل تدعو الله بشيء أو تسأله إياه ؟ » قال : نعم كنت أقول : اللهم ما كنت معاقبى به في الآخرة فعجله لي في الدنيا ، فقال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « سبحان الله ! ! لا تطيقه ، أفلا قلت : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار » « 2 » . أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ في هذا بيان لجزاء الذين يتجهون إلى ربهم داعين أن يوفقهم لما فيه حسنة في الدنيا وحسنة في الآخرة ، ويقيهم عذاب النار . والإشارة للبعيد لبيان علو منزلتهم ؛ وقد بين أن الجزاء هو نصيبهم مما كسبوه من عمل الخير والقيام بالحق الواجب عليهم ، وفي هذا التعبير الذي يفيد أن النصيب مأخوذ مما كسبوه من أعمال إشارة إلى أمور ثلاثة :
--> ( 1 ) متفق عليه رواه البخاري : كتاب الدعوات ( 5910 ) ومسلم : الذكر والدعاء ( 4855 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه . ( 2 ) رواه بهذا اللفظ مسلم : الذكر والدعاء ( 4853 ) وقال في آخره : فدعا الله له فشفاه . والترمذي : الدعوات ( 2409 ) وأحمد ( 11607 ) عن أنس بن مالك رضي الله عنه .