محمد أبو زهرة
630
زهرة التفاسير
أولها : إن هؤلاء الذين دعوا ربهم بالتوفيق لا بد أن يقرن دعاؤهم بإرادة قوية عاملة متجهة إلى تحقيق ما يبغون وما يدعون الله سبحانه وتعالى في التوفيق له ، وإن لم يكن عمل فالدعاء أماني وأحلام ، ولا يتحقق فيها القصد الكامل والضراعة الخاشعة لرب العالمين ؛ لأن الدعاء مخ العبادة ؛ فإن كان صادقا فالإرادة تتجه نحوه . الأمر الثاني : الذي يشير إليه التعبير الكريم : أن الجزاء ليس على الدعاء ، وإنما الجزاء على العمل ، فيجب أن يعملوا ؛ فليس الدعاء وحده بمستحق جزاء إن كان العمل ينافيه . الأمر الثالث : أن كسب العبد لعمل الخير يطوى في ثناياه جزاءه ، وكذلك كل عمل للإنسان جزاؤه مشتق من منهاجه ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ؛ فمن أسدى إلى الناس معروفا ، فقد قدم بهذا الإسداء لنفسه ؛ ومن أعان مكروبا ، فقد كسب الجزاء ساعة عمل ، وكذلك من قتل نفسا ، فقد قتل نفسه إذ استحق ذلك الجزاء ، ومن سرق فقد قطع يده ، ومن زنى فقد رجم نفسه ، وهكذا كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ ( 21 ) [ الطور ] . وقد ذيل الله سبحانه وتعالى الآية بقوله الكريم وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ وسرعة حسابه سبحانه وتعالى كناية عن تحقيقه ، وتحقق يوم القيامة وقربه ، وعلمه سبحانه وتعالى بإحسان المحسن وإساءة المسىء ؛ لأن تطويل الحساب يكون من جهل المحاسب ، فيبطئ ليعرف ؛ فإذا كان المحاسب هو العليم الحكيم الذي لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء ، فإن حسابه يكون سريعا ؛ إذ لا تخفى عليه سبحانه خافية . وفي هذا التذييل إشارة إلى عقاب الذين ليس لهم في الآخرة من خلاق على ما يرتكبون من موبقات ما داموا قد جعلوا الدنيا كل همهم ، وغاية أمرهم ، ومقصد وجودهم . وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ هذا ذكر لله خاص في أيام مذكورة بعد قضاء مناسك الحج ؛ وقد أمر الله في الآية السابقة بالذكر العام ، وفي هذه الآية ذكر