محمد أبو زهرة
624
زهرة التفاسير
نفوسهم من وساوس الشيطان ؛ فإن له على كل قلب لمة ؛ فإن أصابت من كتب الله عليه الضلال انحدر فيه ، وإن أصابت من كتب الله عليه الهداية تذكر الله وعظمته ، فساق الله إليه هدايته ؛ ويكون المعنى اذكروا الله سبحانه وتعالى ذكرا مساويا لهدايتكم مشابها لها ، وبقدرها ، وإنكم لولا هذه الهداية كنتم من الحائرين ، ولولا نور الحق لبقيتم في حيرتكم أو لسرتم في مخارف الشيطان . ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ بعد أن أشار سبحانه إلى الوقوف بعرفة والإفاضة إلى المزدلفة ، وذكر الله فيهما ، بين طريق الإفاضة فقال هذه الجملة الكريمة ، واستعمال « ثم » لبيان الترتيب والتراخي البياني أو المعنوي ؛ ففي الأول ذكر مطلق الإفاضة ، ثم ذكر طريق الإفاضة وكيف تكون ، كمن يقول أحسن إلى الناس ثم لا تحسن إلى غير كريم ؛ لبيان التفاوت بين مطلق الإحسان وتخصيص الكريم بالإحسان ؛ وكذلك هنا كان التعبير بثم لبيان التفاوت في الفضل بين مطلق الإفاضة ، والإفاضة مع الناس وفي جمعهم الزاخر المتدافع ليشعر كل مسلم بأنه في منزلة واحدة مع غيره من المؤمنين ، فيستوى السوقة والأمير ، والكبير والصغير ، والغنى والفقير والحاكم والمحكوم ؛ فتصقل هذه الزحمة القدسية قلوب المؤمنين ، وتشعرهم بالمساواة أجمعين . فهذه الجملة عامة في خطابها تشمل الحجاج أجمعين إلى يوم الدين ؛ فهم جميعا مطالبون بأن يفيضوا مع الناس ، ومن حيث يسيرون ، لا يختص أحد بطريق ، ولا يمنع لأحد طريق ولا يكون لفريق مسلك ، وللناس مسلك ، ولا يمنع الناس حتى يمر بعض الناس ؛ بل الجميع في المرتفع والمهبط ، والسير والموقف سواء ، لأنهم في ساحات رب العالمين الذي يعطى من يشاء ويمنع من يشاء . ولقد قال بعض مفسري السلف : إن الخطاب في هذه الجملة خاص بقريش وحلفائها ؛ لأنهم في الجاهلية كانوا يسمون أنفسهم الحمس يقفون بالمزدلفة ، ولا يقفون مع سائر الناس بعرفة ، فأمرهم الله سبحانه بأن يقفوا كما يقف كل الناس ، ويفيضوا كما يفيض كل الناس .