محمد أبو زهرة

625

زهرة التفاسير

وعندي أن الخطاب عام ، ويدخل فيه النهى عن هذه الحال التي كانت من قريش ؛ ومرمى الآية في معناها العام أو الخاص هو التسوية المطلقة بين الناس في تلك البقعة المباركة وفي ذلك المنسك المعظم . وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ختم سبحانه الآية الكريمة التي تشتمل على آخر منسك من مناسك الحج ، إذ يكون بعده التحلل ، وإن بقيت بعض العبادات الأخرى ، بالأمر بالاستغفار وهو طلب المغفرة من الله القدير ؛ وطلب المغفرة فور العبادة أمر توحى به النفس المؤمنة البرة ؛ وذلك لأن العبادة تطهر قلب العابد ، وتزيل أدرانه ، فتجعله يحس بما كان منه قبلها ؛ فيضرع إلى المولى أن يستره بستره ، ويصفح عنه بعفوه ؛ ولأن المؤمن الخالص الإيمان كلما أرهفت مشاعره وقويت روحه ، أحس بأنه مقصر أمام المنعم ، لا يصل إلى الوفاء بحقه ؛ فيلجأ إلى الاستغفار عن التقصير ؛ ولأن الاستغفار نفسه عبادة ، وهو أبر الطاعات ؛ ولذا يقول بعض الصوفية : رب معصية أورثت ذلا وانكسارا ، خير من طاعة أورثت دلا واستكبارا . والاستغفار ثمرة الحج ، لأنه التطهير النهائي للنفس ، فيعود الحاج الذي لم يفسق ولم يرفث كيوم ولدته أمه ، ولقد ذيل سبحانه وتعالى الآية الكريمة بقوله : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أي أن الله سبحانه وتعالى كثير المغفرة ، وأن الغفران وصف له سبحانه في معاملته لعباده ؛ والسبب في ذلك أنه رحيم بالناس ؛ ومن الرحمة بهم أن يغفر للمذنب ؛ ليعطيه فرصة النجاة من ماضيه واطراح مآثمه ، واستقبال حياة جديدة نزهة ينعم فيها بالطهر وينتفع منه الناس ؛ وذلك رحمة به وبالناس ؛ فالمجتمع يستفيد من كثرة التائبين ، ولا يستفيد من كثرة اليائسين من رحمة الله ، إذ يستمرون في غيهم يأسا من غفران ربهم ؛ ولذا قال سبحانه : قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 53 ) [ الزمر ] . فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً المناسك : جمع منسك وهو العبادة ؛ أي إذا أديتم عباداتكم التي بينها النبي صلى اللّه عليه وسلم على وجهها ،