محمد أبو زهرة

607

زهرة التفاسير

ثلاث مرات ، فلما لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة ، فقالت له : يا نبي الله أتحب ذلك ؟ اخرج ثم لا تكلم أحدا منهم بكلمة حتى تنحر بدنك وتدعو حالقك ؛ ففعل ؛ فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا » « 1 » . فهذا يدل على أن محل الهدى للمحصر هو حيث الإحصار ؛ وإنه إذا كان ممنوعا فإن الهدى قد يمنع أيضا . وقد أجاب الحنفية عن ذلك بأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان في الحرم لا في الحل ، فهو كان في محله ؛ لأنه أحصر في طرف الحديبية القريب من مكة وهو من الحرم . ولا شك أن رأى جمهور الفقهاء يتفق مع السنة النبوية ، وفيه تسهيل على المحصرين ، والمناسب لحالهم هو التيسير لا التصعيب . ولا شك أن ذبحهم في المكان الذي أحصروا فيه أيسر كلفة ؛ والصدقة لا يتعين مكانها في الضيق ، ولكن النص الكريم حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ لا ينطبق تمام الانطباق على رأى الجمهور ، إذا فسرنا المحل بالمكان ؛ لأن البلوغ يقتضى مسافة بين المكانين ؛ ولا ينطبق ذلك على مكان الحصر ، بل ينطبق على مكان يكون فيه بلوغ ؛ وإذا فسرنا المحل بالزمان تأتّى معنى البلوغ بأن ينتظر المحصر حتى يجئ وقت الهدى وهو يوم النحر ، ويكون بالغا محله أي بالغا زمانه ؛ وحينئذ لا يتقيد المحصر بالمكان ، ولكن يتقيد في الذبح بالزمان ، وإن زال الإحصار قبل زمانه ، وأمكن الوصول إلى الحج في إبانه ، فقد زال موجب الذبح ، وتعين إتمام الحج .

--> ( 1 ) جزء من حديث طويل رواه البخاري : كتاب الشروط ( 2529 ) وفي أوله : عن المسور بن مخرمة ومروان ( ابن الحكم ) يصدّق كلّ واحد منهما حديث صاحبه قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم زمن الحديبية حتّى إذا كانوا ببعض الطّريق قال النّبىّ صلى اللّه عليه وسلم : إنّ خالد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش طليعة فخذوا ذات اليمين . . . إلى أن قال : فلمّا فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لأصحابه : « قوموا فانحروا ثمّ احلقوا » . قال : فو اللّه ما قام منهم رجل حتّى قال ذلك ثلاث مرّات ، فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أمّ سلمة فذكر لها ما لقى من النّاس فقالت أمّ سلمة : يا نبىّ اللّه أتحبّ ذلك ؟ اخرج ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتّى تنحر بدنك وتدعو حالقك فيحلقك . فخرج فلم يكلّم أحدا منهم حتّى فعل ذلك نحر بدنه ودعا حالقه فحلقه ، فلمّا رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضهم يحلق بعضا . . . الحديث . ورواه أحمد في مسنده عنهما ( 18166 ) .