محمد أبو زهرة
608
زهرة التفاسير
ولقد ذهب بعض أهل العلم إلى أن قوله تعالى : وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ خطاب عام لكل المكلفين في هذه الشعيرة ، لا فرق بين محصر وطليق ، وذي عذر وغيره ؛ فهو بيان لوقت التحلل من الإحرام بشكل عام ، وبيان لمكان الذبح بشكل عام وهو الكعبة ؛ وإن لذلك الكلام وجاهته واستقامته ؛ وهو تخريج يعاضد رأى الجمهور ؛ لأن الكلام يكون في مكان الذبح العام ، لا في الإحصار ، ومكان الذبح في الإحصار علم من السنة الصحيحة في الحديبية . وقبل أن نترك الكلام في المحصرين ينبغي أن نبين مذهب الحنفية وغيرهم في قضاء الحج أو العمرة إذا أحصروا ؛ فقد قال مالك والشافعي : إذا تحلل بالهدى فليس عليه قضاء إلا أن يكون الإحصار في الحجة الأولى ؛ لأن الذبح قد أحله من إحرامه فلا قضاء عليه . وقال الحنفية : إن عليه عمرة وقضاء ما أحرم به من الحج ، فإن كان محرما بحج نفلا كان عليه عمرة ، وعليه قضاء حجه ؛ لأن القاعدة عندهم أنه إذا شرع في نفل ولم يتمه وجب عليه أن يعيده ؛ لقوله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ . . . ( 33 ) [ محمد ] . وإذا كان محرما بعمرة قضاها عمرة ؛ لما تقدم ، ولقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فإن ذلك النص بعمومه يشمل حال من يشرع في حج أو عمرة ، ولم يتمهما اختيارا أو اضطرارا . فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ بعد أن بين سبحانه أن مظهر الانتهاء من الإحرام هو الحلق أو تقصير الشعر ، وتبين مما تقدم أن الحلق غير جائز في مدة الإحرام ، أخذ سبحانه يبين حكم ما إذا تعذر أو تعسر على الشخص أن يستمر من غير حلق بأن اضطر إليه لمرض في جسمه أو رأسه استوجب الحلق ليدفع الضرر به ، أو كان برأسه هوام تؤذيه وتجعل غيره يتقزز منه ، وقد يصير به الشخص مصدر أذى لغيره ، أو عدوى ، كما هو مؤذ لنفسه ؛ ففي هذه الأحوال يحل له الحلق ، ولا يحل له سواه ، لأنه لا يتحلل بذلك من الإحرام ، بل يرخص له في بعض محرماته ليدفع الضر عن نفسه وغيره ، ولا ضرر ولا ضرار في الإسلام ؛ فالكلام في الآية السابقة في الانتهاء من الإحرام قبل أداء الأركان لعذر