محمد أبو زهرة
606
زهرة التفاسير
هذه قاعدة الإسلام : طلب اليسير من الأمور دائما ، واجتناب العسير ما لم يكن تكليفا كالجهاد في سبيل الله . وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ حلق الرأس أو تقصيرها شعار الانتهاء من الإحرام ، والتحلل من تلك الشعيرة المباركة ، كما أن السلام مظهر الخروج من الصلاة ، وانتهائها ، أو قطعها عند الاضطرار إلى قطعها . وقد بين الله سبحانه أن المحرم عند الاضطرار بالإحصار ، يكون له التحلل بذبح الهدى ، وتحرى اليسير دون العسير ؛ ولكن لا يتم التحلل ولا يسوغ الحلق أو تقصير الشعر الذي هو مظهره إلا بعد أن يبلغ الهدى محلّه ، ويذبح عند بلوغه محله . و « المحلّ » : اسم زمان الحلول أو مكانه ؛ فهو يطلق على الزمان والمكان ، فيقال : بلغ الدّين محلّه إذا حل وقت وفائه ، وبلغ الأجل الذي يستحق فيه الأداء ؛ ويقال : بلغ الشخص محلّه إذا وصل إلى المكان الذي يحل فيه . وما المراد بالمحل في الآية ؟ أيراد به اسم الزمان ، أم يراد به اسم المكان ؟ لا شك أن اللفظ يحتملهما ، فيحتمل الزمان والمكان ، وإن كان في المكان أظهر ، وأقرب ورودا للخاطر ؛ ولذلك كان لا بد من السنة لمعرفة المراد يقينا ، أو أن يستبين ذلك من آيات أخر ؛ وقد قال الحنفية : إن المحل هو اسم مكان يراد به البيت الحرام ، وقد تبين ذلك بالقرآن ، فقد قال تعالى : ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ ( 33 ) [ الحج ] ، والقرآن يفسر بعضه بعضا ؛ وعلى ذلك لا يصح للمحصر أن يحلق ويتحلل ، حتى يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت العتيق ويذبح ؛ وقد تأيد ذلك بآية أخرى ، وهي قوله تعالى : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ . . . ( 95 ) [ المائدة ] ، ففيها التصريح بأن الهدى في الكعبة . وقد قال الجمهور إن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي كان فيه الإحصار ، كما فعل النبي صلى اللّه عليه وسلم عام الحديبية ؛ فإن المسور بن مخرمة يروى : « أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عندما منع من البيت الحرام في تلك السنة وعقد الصلح قال لأصحابه : « قوموا فانحروا ثم احلقوا » ، فوالله ما قام رجل منهم ، حتى قال ذلك