محمد أبو زهرة
600
زهرة التفاسير
هذا هو الأصل اللغوي لمعنى كلمتي الحج والعمرة ؛ وقد صارت الكلمتان من الألفاظ الإسلامية التي خصها الشرع بمعان تتصل بأصل معناها اللغوي ؛ فالحج في أصل معناه كما رأيت قصد المكان للزيارة ، فصار في المعنى الإسلامي يطلق على قصد بيت الله الحرام وعرفات والمشعر الحرام للزيارة بشروط خاصة وأركان خاصة ، جماعها المتفق عليه الذي لا خلاف فيه بين أهل العلم ثلاثة : الإحرام ، وهو بالنسبة للحج كتكبيرة الإحرام بالنسبة للصلاة ، والوقوف بعرفة ، وهو كما قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : « الحج عرفة » « 1 » لأن له وقتا معينا إذا فات الشخص فاته الحج في هذا العام ؛ ووجب الحج من قابل ؛ والطواف . وقد اختلف في الوجوب فيما عدا هذه الثلاثة من السعي بين الصفا والمروة والوقوف بمزدلفة وغيرهما . والعمرة قد رأيت أنها في أصل معناها للزيارة المقصود بها عمارة المكان بالأشخاص ، وعمارة النفوس بالمودة والإخلاص ، وقد خصها الإسلام بزيارة بيت الله الحرام ، وتلاقى النفوس فيه على مودة ورحمة وإخاء ، ولها أركان خاصة وشروط ، وجماع أركانها المتفق عليها بين الفقهاء اثنان : الإحرام والطواف . وقد أمر الله سبحانه وتعالى بإتمام الحج والعمرة لله ؛ فنص بهذا على وجوب أن تكون هذه العبادة خالصة لله سبحانه وتعالى لا يشرك المؤمن فيها مع الله سبحانه وتعالى أحدا ؛ وكذلك الشأن في كل عبادة ، بل في كل عمل خير ، يجب أن يتجه العبد فيه إلى الله سبحانه ، لا يقصد غير الله ، ولا يريد بعمله إلا وجهه ؛ لأن من كمال الإيمان أن يحب المؤمن الشيء لا يحبه إلا لله ، ومن كمال الإيمان أن يكون هوى المؤمن وغاياته ومقاصده تبعا لما جاء به النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولا يقصد به إلا وجه الله سبحانه وتعالى .
--> ( 1 ) جزء من حديث رواه في المناسك الترمذي ( 814 ) والنسائي ( 2994 ) وأبو داود ( 1664 ) وابن ماجة ( 3006 ) وأحمد في أول مسند الكوفيين ( 18023 ) والدارمي . كلهم عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي - رضي الله عنه .