محمد أبو زهرة
601
زهرة التفاسير
وكل عبادة لا يقصد بها وجه الله لا يثاب عليها صاحبها ، بل إنها جديرة بالعقاب لا بالثواب ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم قد قرر بأن ذلك شرك ؛ وهو الذي يقول عنه العلماء إنه الشرك الخفي ، ولقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « من صلى يرائى فقد أشرك ، ومن صام يرائى فقد أشرك ؛ ومن تصدق يرائى فقد أشرك » « 1 » وقد سماه العلماء شركا خفيا لأن صاحبه يخفيه ولا يبديه ، ولأنه دقيق لا يدركه إلا ذوو النفوس الطاهرة ، والقلوب البارة التي تحاسب نفسها ؛ ولأنه بلا ريب دون عبادة الأوثان ، وإن كان من بابها ؛ وقد وجدنا في عصرنا ناسا يجاهرون بأنهم يتصدقون بالصدقة العظيمة يبتغون بها الجاه ، أو ملق أصحاب الجاه ، فبأي اسم يسمى عملهم ؟ أيسمى شركا خفيا ، أم يسمى شركا جليا ؟ وهو على أي حال مروق من الدين ، إذ قد اطرح فيه جانب رب العالمين . وما المراد بالأمر بإتمام الحج والعمرة : أيراد بالأمر إقامتهما ، وإيجادهما ، أم يراد بالأمر إتمامهما لا أصل إقامتهما بأن يراد الإتيان بهما تامين ؛ فيكون الأمر منصبا على الإتمام ، لا على أصل الأداء ؛ ويكون المعنى على الأول : أقيموا الحج والعمرة أي أدوهما ، كقوله تعالى : ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ . . . ( 187 ) [ البقرة ] فليس الاتجاه إلى الإتمام بل إلى الإنشاء ؛ والمعنى على الثاني ائتوا بهما تامين ، أي كاملى الأركان قد استوفيت شروط كل منهما ، خالصين لوجه الله سبحانه وتعالى لا تشوبهما شائبة من رياء . هناك اتجاهان في هذا المقام ؛ فبعض الفقهاء ومعهم بعض المفسرين ، وسبقهم بعض التابعين والصحابة على أن المراد بالأمر الإنشاء والإتيان والإقامة ، فمعنى أتموا الحج والعمرة ائتوا بهما ؛ وعلى هذا المنهج علقمة والنخعي وسعيد بن جبير وعطاء ، وطاوس ، وروى عن ابن عمر وابن عباس وعلى رضي الله عنهم ؛ ولهذا قرروا أن العمرة واجبة كالحج ، وهذا ما قرره الشافعي على أحد قوليه وسفيان الثوري .
--> ( 1 ) رواه أحمد : مسند الشاميين : حديث شداد بن أوس ( 16517 ) .