محمد أبو زهرة

596

زهرة التفاسير

وقد تضافرت الروايات بمثل ذلك مما يجعلنا نفهم أن الآية الكريمة تتجه إلى حماية الدولة والجماعة من أن تلقى بيدها إلى التهلكة ، بترك الضعفاء فيها ، وترك الجهاد دفاعا عنها ، وعدم الاستعداد لأعدائها . ولكن عموم الآية قد يشمل حال الآحاد إذا أقدموا على ما يضرهم من غير أي فائدة تعود على الجماعة من إقدامهم ولو كانت الفائدة معنوية أدبية ، فإن ذلك يسير عليه النهى بمقتضى العموم ؛ وليس منه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقول كلمة الحق للظالمين ؛ فإن ذلك فيه فائدة معنوية للأمة ؛ وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « أفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب ، ورجل تكلم بكلمة حق عند سلطان جائر فقتله » « 1 » . وقد اختلف العلماء فيمن أقدم على مهاجمة عدو كثير العدد وحده ، فسوغه ناس « 2 » لما فيه من فائدة للجماعة ولو معنوية ، ومنعه آخر لأنه لم ير فيه أية فائدة للأمة ، وفيه المضرة على من أقدم ؛ فتنطبق عليه الآية . والخلاصة أن الآية ينطبق النهى فيها على الأمة إن تركت أمر حمايتها من الآفات الاجتماعية في الداخل ، وغارات الأعداء في الخارج حتى هلكت ؛ وينطبق النهى على الآحاد إن أقدموا على ما يهلكهم من غير أي نفع مادي أو أدبى لأمتهم . وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ الإحسان في لغة القرآن الكريم يطلق بإطلاقين ؛ أحدهما : الإتقان والإجادة في العمل والقيام بالطاعات على وجهها ؛ ومن ذلك قوله تعالى : إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا ( 30 ) [ الكهف ] ، وقوله تعالى : الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ . . . ( 7 ) [ السجدة ] . والثاني : التفضل على

--> ( 1 ) « أفضل الشهداء حمزة ورجل قال كلمة حق عند سلطان جائر فقتله » أي : فقتله السلطان أو أمر بقتله . [ دليل الفالحين باب 80 - وجوب طاعة ولى الأمر ، ولسان الميزان - باب من اسمه حكيم ( حكيم بن يزيد ) عن جابر رضى عنه رفعه « أفضل الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر فنهاه فأمر بقتله » ] . وقال الأزدي : حكيم متروك الحديث . ورواه الحاكم في المستدرك عن علي موقوفا بلفظ : أفضل الخلق الرسل ، وأفضل الخلق بعد الرسل الشهداء وأفضل الشهداء حمزة بن عبد المطلب . ( 2 ) ذكر الإمام محمد بن الحسن في كتابه السير الكبير أنه لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين وهو وحده لم يكن بذلك بأس إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدو ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه ؛ لأنه عرض نفسه للتلف في غير منفعة للمسلمين . فإن قصد تجرئة للمسلمين عليهم حتى يصنعوا مثل صنعه فلا يبعد جوازه ، لأن فيه منفعة للمسلمين على بعض الوجوه ، وإن قصد إرهابا للعدو ، وليعلم صلابة المسلمين في الدين فلا يبعد جوازه .