محمد أبو زهرة
592
زهرة التفاسير
ذاتها ، يقدر بقدرها ، فلا يسرف القاتل في القتل ؛ لأنه في أصله محظور ممنوع كأكل الميتة لا يباح إلا للضرورة ، ولا يصح للمقاتل باسم الإسلام أن يسرف في القتل ما أمكنه الانتصار بدونه ؛ ولعل هذا المعنى الجليل هو الذي جعل عمر الفاروق الذي كان ينظر بنور الله يكره قتال خالد بن الوليد ، ويقول : « إن في سيفه لرهقا » ويعجب بقتال عمرو بن العاص الذي فتح مصر بأقل ما يتصور من الدماء ، ويقول : « إن حربه رفيقة » . وقوله سبحانه فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ « 1 » هو القاعدة العامة للقانون الدولى في الإسلام في السلم والحرب معا ؛ فمن لم يعتد على المسلمين ، وترك دعوة الإسلام الحق تسير في مسارها ، وتستقيم على منهاجها من غير محاجزة بين الناس وبينها ، فالعلاقة به سلمية خالصة ، كالشأن مع النجاشي ملك الحبشة ؛ ومن اعتدى على المسلمين كانت العلاقة بينهم وبينه بقدر ذلك الاعتداء ؛ سواء أكان الاعتداء في سلم أم لبس لبوس الحرب ؛ وإذا عاهدهم أحد حفظوا عهودهم إلا أن ينكث معهم فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ . . . ( 10 ) [ الفتح ] . ولكن الخصم إذا لم يكن له خلق قد يقع في أمور تضر بالخلق القويم ، كأن ينتهك الأعراض في الحرب ، أو يقتل الذرية الضعاف ، أو الشيوخ الذين لا حول لهم ولا طول ، فهل يعتدى بمثل اعتدائه ، ويسلك المسلمون مثل مسلكه ؟ هذا ما بينته الجملة الآتية ، وهو عدم الجواز . وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ذيل الله سبحانه وتعالى الآية الكريمة بهاتين الجملتين لكيلا يندفع المقاتلون المسلمون في القتال فيضعوا سيوفهم على أعناق من يستحقها ومن لا يستحقها ، وينزلوها في موضع البرء والسقم ، فيقتلوا ويتجاوزا الحد ؛ لأنه إذا اشتجرت السيوف ، وكثرت الحتوف ؛ قد تتجاوز موضعها ،
--> ( 1 ) طبق الفقهاء هذه الفقرة من الآية الكريمة على حوادث جزئية مما يجرى بين الناس : أ - منها هل يشترط في القصاص إذا كان قتلا أن يكون بالآلة التي قتل القاتل بها ولو كان عصا أو نارا ؟ قال الشافعي إن القود يكون بالآلة تماما ؛ لأن المماثلة توجب ذلك . وقال مالك مثل قوله إلا أن يؤدى ذلك إلى التعذيب . وقال الحنفية القود بالسيف دائما . ب - أنه من أتلف مالا لغيره قال أبو حنيفة وأصحابه والمالكية : إن كان قيميا وجبت القيمة ، وإن كان مثليا وجب المثل ، والمثلى عند الحنفية المكيل والموزون والعددي المتقارب ، واقتصر المالكية على المكيلات والموزونات ، وقال الشافعية عليه دائما المثل ولا يعدل عن المثل إلا عند عدم وجوده ، يستوفى في ذلك القيمي والمثلى . وقال بعض العلماء القيمة تجب دائما ؛ لأنها وحدة التقدير وهي المماثلة في المعنى المتحققة دائما .