محمد أبو زهرة

593

زهرة التفاسير

فتكون في غير العدل ؛ وقد يسايرون خصومهم في أذاهم فيقتلون الذراري أو الشيوخ أو الضعاف أو الرهبان والعباد في الصوامع كما يفعل خصومهم ، أو يحرقون الزرع ويقتلون الضرع كما يعيث غيرهم في الأرض فسادا ؛ فأمر الله سبحانه بتقوى الله في الحرب بأن يراقبوه وحده ، ويخافوه وحده ، ويلاحظوا التقوى في قتالهم ؛ فإنه ينبغي أن تكون هي الوصف الملازم لهم في حربهم وسلمهم ؛ فإن حولتهم الحرب إلى أسود كواسر ، فليعلموا أن القلوب الإنسانية الدينية التي تخشى الله ما زالت في إهابها ، أو يجب أن تكون كذلك دائما . ولقد نهى الإسلام عن قتل العسفاء وهم العمال الذين لا يشتغلون بحرب ، والذرية ؛ كما نهى عن قتل الرهبان الملازمين لمعابدهم ، ولقد قال عمر بن الخطاب : اتقوا الله في الذرية والفلاحين الذين لا ينصبون لكم الحرب . وقال أبو بكر في الرهبان لقائد الجيش : وستجد أقواما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم لله ، فذروهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له . ولقد خشي النبي صلى اللّه عليه وسلم خالد بن الوليد أن يقتل الذرية والضعاف فقال لبعض أصحابه : « الحق بخالد بن الوليد فلا يقتلن ذرية ولا عسيفا » « 1 » . ولكن قد يقول قائل إن أعداء الإسلام إن قتلوا الذرية والضعاف والشيوخ الذين لا يعينون في حرب فإن العدل معاملتهم بالمثل ، وإن ذلك يكون أنكى بهم ، والنكاية الشديدة قد تدفعهم إلى الخذلان ، أو على الأقل تمنعهم من قتل من لا يقاتلون ؟ ونقول إن الإسلام أمر بقتل من يقاتل فقط ، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى . . . ( 15 ) [ الإسراء ] وما كان الضعفاء ليقاتلوا ، فما يسوغ في حكم التقوى أن يقتلوا ؛ وإن تقوى الله في الحروب تقوى القلوب ، والرأفة بعباد الله تدنى نصر الله ؛ ولذلك قال سبحانه في ختام الآية : وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ فاستشعروا التقوى في حربكم ، وادرعوا بها في قتالكم ، فلا تعتدوا في القتال ، ولا تقاتلوا من لم يرفع سيفا ، فإن الله مع المتقين بالنصر والتأييد دائما ؛ والله ولى الصابرين . وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بين سبحانه مشروعية القتال عند الاعتداء ، ورد الاعتداء بمثله قدرا وزمانا ومكانا مع ملاحظة الدين وعدم الاسترسال في أمر يخالفه

--> ( 1 ) سبق تخريجه .