محمد أبو زهرة
591
زهرة التفاسير
أما قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ فهي تبين العلاقة الدولية بين المسلمين وغيرهم ؛ لأن الخطاب فيها للمسلمين مجتمعين كدولة واحدة لها نظم حاكمة ، وسياسة قائمة ، يبين هذا الخطاب ما يجب على دولتهم في معاملة غيرهم به في حرب أو سلم ، وفي منازلة أو مهادنة ، فذكر الله سبحانه أن تلك المعاملة هي المعاملة بالمثل . ومعنى قوله تعالى : فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ أن من يعتدى عليكم من أمم غيركم بانتهاك حرمة من حرمات دولتكم أو إلحاق أذى بجماعتكم ، بحرب يشنها عليكم ، أو مصادرة لمتاجركم ، أو ترصد في الطرق التي تسلكها قوافلكم أو سفنكم ، فعاملوه بالمثل ، وأنزلوا به مثل ما ينزله بكم ؛ وإن انتهك . حرمة مكان فانتهكوا منه مثل ما انتهك من غير تحرج في ذلك ولا تأثم ، فإن هذا ما تقضى به قوانين المساواة والمعاملة بالمثل . وهنا يثير العلماء بحثا لفظيا : كيف يسمى المقابلة بالمثل اعتداء ؟ إن الاعتداء هو الابتداء ، أما العقوبة أو المقاومة فهي عدل وانتصار ، لأن مقاومة الظلم هي عين العدل ، فكيف تسمى اعتداء ؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن المشاكلة في الفعل التي تقتضيها المماثلة سوغت أن يسمى الفعل باسم نظيره ، كما قال تعالى : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها . . . ( 40 ) [ الشورى ] وإن ذلك لا يمنع الحقيقة ، لأنه وإن تشاكلت الأفعال والأوصاف المنبعثة من الفاعل مختلفة ؛ فالفعل الأول اعتداء لأنه صدر عن ظالم ، وكان ظلما ، والثاني ليس في حقيقته اعتداء ، لأنه انبعث عن عادل ، وكان عدلا . هذا مرمى ما قاله العلماء اعتراضا وإيرادا ، وجوابا وردا ؛ وعندي أن تسمية مقاومة الاعتداء بمثله اعتداء ، إذا كانت المقاومة حربا ونزالا ، فيه إشارة إلى معنى إنساني جليل ، وهو أن القتل في كل صوره وأحواله ، ولو كان ردا لمثله ، فيه اعتداء على النفس الإنسانية التي حرم الله قتلها بغير نفس أو فساد في الأرض ، وأنه عمل خطير تقشعر من هوله الأبدان ، ولا يصح الإقدام عليه إلا إذا اضطرت الفضيلة والأخلاق إليه ؛ وإن الإقدام عليه يكون كالإقدام على الضرورات المحظورة في