محمد أبو زهرة
576
زهرة التفاسير
قوله تعالى : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ . فيه ثلاث مسائل : الأولى : قوله تعالى : وَقاتِلُوا هذه الآية أول آية نزلت في الأمر بالقتال ، ولا خلاف في أن القتال كان محظورا قبل الهجرة بقوله : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . . . * ( 96 ) [ المؤمنون ] ، وقوله : فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ . . . ( 13 ) [ المائدة ] ، وقوله : وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا ( 10 ) [ المزمل ] ، وقوله : لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ ( 22 ) [ الغاشية ] ، وما كان مثله مما نزل بمكة . فلما هاجر إلى المدينة أمر بالقتال فنزل : وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ قاله الربيع بن أنس وغيره . وروى عن أبي بكر الصديق أن أول آية نزلت في القتال أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا . . . ( 39 ) [ الحج ] . والأول أظهر ، وأن آية الإذن إنما نزلت في القتال عامة لمن قاتل ولمن يقاتل من المشركين . وذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم خرج مع أصحابه إلى مكة للعمرة ، فلما نزل الحديبية بقرب مكة - والحديبية اسم بئر ، فسمى ذلك الموضع باسم تلك البئر - فصده المشركون عن البيت ، وأقام بالحديبية شهرا ، فصالحوه على أن يرجع من عامه ذلك كما جاء ، على أن تخلى له مكة في العام المستقبل ثلاثة أيام ، وصالحوه على ألا يكون بينهم قتال عشر سنين ورجع إلى المدينة ، فلما كان من قابل تجهز لعمرة القضاء ، وخاف المسلمون غدر الكفار وكرهوا القتال في الحرم وفي الشهر الحرام ، ف نزلت هذه الآية ؛ أي يحل لكم القتال لمن قاتلوكم من الكفار . فالآية متصلة بما سبق من ذكر الحج وإتيان البيوت من ظهورها ، فكان صلى اللّه عليه وسلم يقاتل من قاتله ويكف عمن كف عنه ، حتى نزل : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ . . . ( 5 ) [ التوبة ] فنسخت هذه