محمد أبو زهرة
660
زهرة التفاسير
إلا ما أكلت فأفنيت ، وما لبست فأبليت ، وما تصدقت فأمضيت ، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس » « 1 » والله سبحانه مالك الملك ذو الجلال والإكرام . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 213 ] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 213 ) ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أن الناس فريقان : فريق يسعى في الأرض فسادا ، ويضل الناس بخلابة لسانه ؛ وفريق باع نفسه للحق يفتديه ، ولربه يبتغى رضاه ، ولا يرجو سواه ؛ وإن النضال بين الفريقين قائم ، على مقتضى سنة هذا الوجود ، من التنازع بين الخير والشر ، وبين أهل الحق والضلال ؛ وإنه من أجل ذلك سوغ الله سبحانه وتعالى لأهل الخير أن يحملوا السيف مناضلين مدافعين ، وإن كان أصل الفضيلة في الأمن والسلام ؛ ولكن إن كانت الحرب سبيل السلام الفاضل فهي مطلوبة لأجل السلم ، وإن كانت شجرة السلام التي تظل أهل الحق لا تقوم إلا إذا سقيت بالدماء ، وجب القتال ؛ لأن ما لا يتحقق الواجب إلا به فهو واجب ، والسلام واجب على بنى الإنسان . وفي هذه الآية يشير سبحانه إلى أن الاختلاف بين الناس ما بين محق فاضل ، ومبطل شرير ، مستكن في أصل الوجود قائم على أصل من الفطرة التي ألهمت فيها
--> ( 1 ) رواه - بهذه الزيادة في آخره : « وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس » - مسلم : الزهد ( 5259 ) وأحمد ( 8457 ) . والترمذي ( 2264 ) ، والنسائي في الوصايا ( 3555 ) وأحمد في مسنده ( 15715 ) .